الصفحة 21 من 42

وحل محلَّها الهدوء والمهادنة، وصار الخطاب للعقل بالأدلة والبراهين، بدلًا من العاطفة والخطابة [1] .

سعى المستشرقون إلى تضخيم هذه الخصائص، وإلى توظيفها بطريقة سيئة بتفسيرها في ضوء المنهج الذاتي الذي سيطر على دراستهم، فجاء كلامهم متضمنًا عددًا من المغالطات نعرض لها بإيجاز ونبين تهافتها.

فقد ذكروا أن السور المكية تضمنت سِبابًا، وشدة وتقريعًا، ليس يخفى أن أسلوب القرآن المكي كان يتسم بالقوة والتقريع، لأجل أن يكون المقال مناسبًا للمقام، وهذا عين البلاغة، فالمخاطبون جاحدون، معاندون، مع علم كثير منهم بصدق النبي، فكان لابد من هذا الأسلوب التربوي.

لقد وصف كفار قريش ـ كفرًا وجهلًا ـ النبي صلى الله عليه وسلم بأنه كذاب أَشِر، وساحر ومجنون وشاعر، فكان لابد والحالة هذه من تقريعهم وتخويفهم، وهذا يتحقق بالآيات القصيرة، ذات الفاصلة الواحدة، يتمثل فيها الإعجاز بالإيجاز، فتهتز مشاعرهم وتجبرهم على مراجعة أنفسهم، وهو ما شهد له الواقع.

نجد هذا في كثير من السور المكية منها على سبيل المثال سورة القمر، ففيها تتمثل هذه الأجواء يقول الله تعالى: اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ * وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ (وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ (وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنَ الْأَنْبَاءِ مَا فِيهِ

(1) مكي القرآن ومدنيه، ص 301، محمد الهادي كريدان، نبوة محمد في الفكر الاستشراقي، ص 369.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت