الصفحة 28 من 42

لقد اتجهت جهود النبي صلى الله عليه وسلم في مكة إلى وضع القواعد والأسس، تمهيدًا لمرحلة قادمة ينشأ فيها مجتمع، وتقام فيها دولة، وتملك فيها أرض، ويكون فيها سيادة، وهي مظاهر ومعالم، افتقدها المسلمون في مكة.

بيد أن هذا لا يعني أن السور المكية خَلَتْ مما له صلة بالأحكام والتشريعات، إن هذا لم يكن بحال بل إن المتأمل في هذه السور يجد أصولًا كثيرة للأحكام التي فُصِّلت في السور المدنية.

لقد وضعت السور المكية أصل تشريع الزكاة في آيات كثيرة، منها ما كان يتحدث عن الإنفاق العام، ومنها ما نص على الزكاة بخاصة، كقوله تعالى في سورة فصلت المكية: {قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ * ... الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ} [فصلت: 6 - 7] ، ثم فصلت مقاديرها في السور المدنية.

وتحدثت السور المكية عن الشورى قبل قيام الدولة فقال الله تعالى في سورة الشورى المكية: {وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} [الشورى: 38] .

بل إننا نجد في السور المكية إشارات إلى الجهاد ومباركة له حتى قبل أن يشرع، وذلك في سورة المزمل المكية [1] في قوله تعالى وهو يخفف على المسلمين

(1) رُوي عن ابن عباس وعطاء وابن يسار ومقاتل أنهم استثنوا الآية الأخيرة من السورة وقالوا: إنها نزلت بالمدينة، انظر: البيان في عدّ آي القرآن (257) ، وزاد المسير (8/ 387) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت