الصفحة 32 من 42

فقرأه على النبي صلى الله عليه وسلم فغضب فقال: أمتهوكون فيها يا بن الخطاب ... والذي نفسي بيده، لو أن موسى كان حيًا ما وسعه إلاَّ أن يتبعني [1] ، أفيعقل بعد هذا أن يحفل الرسول صلى الله عليه وسلم بما عند اليهود ويفيد منه؟!

إن نظرة موازنة بين الأحكام التي جاء بها النبي صلى الله عليه وسلم، وبين ما بقى بين أيدي اليهود من أحكام، تؤكد وجود اختلاف جوهري في أكثر الأحكام بين الأمتين، ولقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم حريصًا على تأصيل هذه المخالفة حتى غاظهم هذا وقالوا: ما يدع هذا الرجل شيئًا إلا خالفنا فيه [2] ، ولسنا بصدد إيراد أمثلة لهذا التباين لأن المقام لا يتسع له.

ومما يحسن إيراده في هذا المقام أن بعض المستشرقين كان يرى أن يهود المدينة كانوا عربًا تهودوا، وكانت تغلب عليهم البداوة وقلة العلم بالتوراة، فكيف ينسجم هذا مع مقولاتهم السابقة؟!

سبقت الإشارة إلى وجود بعض الظواهر الأسلوبية، التي ترى في السور المكية أكثر منها في السور المدنية. ومنها: التكرير في بعض الكلمات والآيات، وقصر السور والآيات، وكثرة الفواصل، وظاهرة التوكيد، وصور التشبيه، والتي يمكن القول إنها لم تكن كثيرة في السور المدنية.

يقول د. عدنان زرزور: (( ربما زينت هذه الفروق الأسلوبية للبعض أو دفعته إلى الظن بأن القرآن الكريم قد خضع في تأليفه لظروف البيئة التي اختلفت بين مكة والمدينة، والتي انعكس أثرها على النبي صلى الله عليه وسلم

(1) أخرجه أحمد في مسنده (23/ 349) برقم 15156، وقال فيه الألباني: (( حسن ) )إرواء الغليل ج 6 ص 34.

(2) أخرجه مسلم في (( صحيحه ) )برقم (302) والإمام أحمد في مسنده (19/ 356) برقم 12354.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت