فهرس الكتاب
ورأينا الشيء نفسه، في السور المدنية، كالبقرة، وآل عمران، والنساء، فإن ما فيها من تشريعات وأحكام ناسبها أن تكون طويلة والآيات كذلك.
إن هذه النظرة العجلى لما سبق توضح بجلاء، أن القِصَر ليس مرتبطًا بمكة أو بالمرحلة التي سبقت الهجرة، والطول كذلك ليس مرتبطًا بالمدينة أو بالمرحلة التي تلت الهجرة.
وأحسب أن دراسة استقرائية للسور المدنية والمكية في القرآن الكريم سوف تؤدي إلى هذه النتيجة التي أشرنا إليها، وهي دعوة للباحثين _ وبخاصة طلاب الدراسات العليا _ للتصدي لمثل هذه الدراسات.
إن أسلوب الإيجاز والتكرير، ووحدة الفاصلة القرآنية، أو ما يسمى بالسجع، كلها أساليب تناسب المعاندين، وهم يُحذَّرون من الكفر والإعراض، ويُخوَّفون من النار، ويُتوعدون بالبعث حتى تلتقي المعاني مع الأساليب في تحريك الوجدان، وإثارة الشعور، وقرع القلوب المقفلة، والنفوس الغافلة.
لقد أسلم أكثر هؤلاء الذين كانوا في مكة، وهاجروا إلى المدينة فانضموا إلى إخوانهم الأنصار العرب، وتكوَّن منهم مجتمع إسلامي متميز.
لقد نزل القرآن الكريم في المدينة من أجل أن يعمل على تطبيق العقيدة بكل أبعادها والتي ترسَّخت في المرحلة المكية، وذلك من خلال التشريعات والأحكام التي تجعل من الإسلام واقع حياة، وكان هذا الأمر يحتاج إلى خطاب هادئ، وإلى أمة مؤمنة ملتزمة بشرع الله، تنتظر أحكامه سبحانه وتشريعاته.
ويمكن في هذا المقام أن يستعان ببعض الخصائص التي تلقي الضوء على ما ذكرنا، فإن النداء بيا أيها الناس كثر في مكة، وكان قليلًا في المدينة؛ لأنه حل