فهرس الكتاب
محلها النداء بـ {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} ؛ لأنها مناسبة للأوامر والنواهي والتشريعات.
إن هذا التوجه الذي ذكرناه يغني عن التفسير الذي أورده الشيخ الزرقاني _ عفا الله عنه _ وزلَّ فيه قلمه، وهو يفسر مجيء السور المكية موجزة والسور المدنية طويلة، وفيها إطناب وإسهاب؛ وذلك لأن أهل المدينة لم يكونوا يضاهئون أهل مكة في الذكاء والألمعية، وطول الباع في باحات الفصاحة، والبيان، فيناسبهم الشرح والإيضاح، وذلك يستتبع كثيرًا من البسط والإسهاب، لأن دستور البلاغة لا يقوم إلا على رعاية مقتضيات الأحوال وخطاب الأغبياء بغير ما يخاطب به الأذكياء [1] .
لقد غاب عن الشيخ الزرقاني _ وهو الفهيم _ أن الذين خاطبهم الله تعالى بالسور في مكة هاجروا إلى المدينة، وغاب عنه أيضًا أن عرب المدينة كانوا عربًا خلَّصًا كذلك. وعلى هدى من هذا لا يُسَلم له ما ذهب إليه.
ويحسن بنا ونحن نستدرك على الزرقاني في مقولته أن ننبه لضرورة الحذر حين التصدي لطروحات المستشرقين، فإن الباحث في غمرة الانشغال بالشبه والرد عليها قد يغفل فيقع في محظور، فيزل في طرح أو يسيء في تعبير، أو يخطئ في تفسير، فيزيد الجناية سراية.
إننا نتساءل في هذا المقام، فنقول: إذا كان الحال ما زعمه المستشرقون، من أن الرسول صلى الله عليه وسلم نمت قدراته، وتأثر ببيئته الجديدة في المدينة فظهرت الفروق بين السور المكية والمدنية، فلمَ لم نلحظ هذا الفرق في الحديث
(1) مناهل العرفان، ج 1 ص 197.