باسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على خاتم المرسلين وإمام المعلمين محمد بن عبد الله عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم وبعد
فإن تشكيل المفاهيم وبناء التصورات يعتبر المدخل الرئيس لتشكيل العقل، وإن العقل المسلم اليوم أحوج ما يكون إلى الخيط المنهجي الناظم لعملية التفكير الإسلامي حتى يعيد قراءة التراث على بصيرة من الهدي القرآني النظري والنبوي التطبيقي، ولعمري إننا اليوم في عصر صراع المفاهيم لا نعاني في تراثنا الإسلامي من خصاص في المعرفة ولكننا نعاني من ضمور كبير في أدوات بنائها، ولئن كان علماؤنا من المفسرين و المحدثين والفقهاء وعلماء أصول الفقه، قد اهتدوا إلى سبيل الرشد في الاجتهاد فوضعوا أصول التفسير، و أسس النقد في علوم الحديث، وأسس التفكير والاجتهاد في علم أصول الفقه، وأنتجوا فقها متحركا قائما على النظر في الحاجيات والمآلات، وزادهم هدى ورعهم وتقواهم وتحريهم الحق حيث كان، فإن النظر قد انصرف بعدهم إلى المنتوج والمنتج، ولم ينصرف بالشكل المطلوب إلى أدوات الإنتاج، وهكذا نجذ في علوم القرآن ميلا إلى نقل أقوال المفسرين أكثر من الميل إلى البحث في أصول التفسير ومناهجه، ونجد في علوم الحديث الشريف ميلا إلى الرواية والنقل أكثر من الفقه ومناهج الفقه، ونجد في السيرة ميلا إلى التاريخ أكثر من التفكر في العبر والخلاصات والقيم، بل إن علم أصول الفقه المبني أساسا على التفكير المنهجي اختلط في كثير من الكتابات بفروع الفقه وتاريخ التشريع فالتبس الأصل بالفرع،
وإذا ما تأملنا في طرق بناء المعرفة في التفكير العالمي المعاصر الذي نحن جزء منه، لوجدنا الاهتمام بمناهج المعرفة وأصول التفكير أكثر من الاهتمام بالفكر والمعرفة، ولذلك تصدرت الكتابات التربوية المهتمة ببناء المفاهيم وتعلم طرق التفكير المبدع، قائمة المبيعات في سائر العلوم، وأصبح الناس يتجاوزون السؤال عن المعلومة إلى السؤال عن كيفية الوصول إليها، وانطلاقا من ذلك فإن التدافع (بالمفهوم القرآني) المعرفي في عالمنا لن تحسم نتائجه إلا لصالح القادرين على النفاذ إلى مركز التفكير عوض استهلاك الفكر، وتلك تحديات لسنا مخيرين بحال في خوض غمارها أو ننسحب من الفعل الحضاري العالمي لنبقى على هامشه.