وانطلاقا من ذلك أضحت الحاجة ماسة إلى تجديد المعرفة الإسلامية، ولن يكون ذلك إلا بتجديد مناهج التفكير، والمدخل الطبيعي لكل ذلك لن يكون إلا عبر العملية التعليمية التي تتيح للمتعلم فرصة التكوين الجديد وتتيح للمعلم فرصة إعادة النظر في أشكال وأساليب بناء المعرفة الإسلامية قبل الاهتمام بتلقينها في شكل معارف جاهزة، لأن الغاية الكبرى من التعليم هي تطوير القدرات والمهارات التي تمكن المتعلم مستقبلا من بناء متجدد للمعرفة، وقدرا كبيرا من الذكاء في الدفاع عنها وإقناع غيره بها، وقد راكمت المدرسة الإسلامية على مر تاريخها و بمختلف علومها العقلية والنقلية تجارب رائدة في التربية على التفكير تحتاج إلى إبراز وتجديد، وسنركز النظر في بحثنا هذا على علوم الشريعة لنبرز دورها الرائد في إذكاء الحس المنهجي لدى المشتغلين بها من المعلمين والمتعلمين، ثم لنبرز الإشكالات التي حدت وتحد من دورها في تشكيل العقل المسلم في العصر الحاضر سواء في بناء مناهجها التعليمية أو طرق ووسائل تدريسها أو أساليب تقويمها، بنظرة تحليلية مقارنة بين القديم والحديث في المدرسة الإسلامية من جهة، ونظريات التعلم المعاصرة التي تشكل تجارب إنسانية لا تخلو من فائدة ومن جهة أخرى، لنصل في نهاية المطاف إلى استنتاج خلاصات واقتراح حلول عملية لتطوير مناهج تدريس علوم الشريعة حتى تسهم في بناء المعرفة الإسلامية السليمة وتتجاوز مظاهر الخلل التي اعتورتها مذ ضمر التفكير الاجتهادي المجدد.
فما هي مظاهر الخلل في التعامل مع علوم الشريعة كمادة تعليمية، وما هي آثارها في بناء المعرفة الإسلامية في واقعنا المعاصر، وكيف يمكن أن تسهم علوم الشريعة من خلال نصوصها المنقولة، ومناهجها المعقولة، والتجربة المتراكمة في طرق تدريسها وحملها وروايتها ونقلها، في إعادة تشكيل العقل المسلم فيصبح مجتهدا مبدعا؟
ذلك ما سنحاول الإجابة عنه في هذا البحث الذي يتوخى:
-تشخيص وضعية البحث التربوي في علوم الشريعة بالجامعات
-تشخيص وضعية المناهج التعليمية الجامعية في علوم الشريعة
-نحو بناء رؤية جديدة لتطوير مناهج تدريس علوم الشريعة في الجامعات