الشيخ الدكتور عائض بن عبدالله القرني
المقدمة
الحمد لله ، والصلاة والسلام على رسول الله ، وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد:
من الذي عنده شغف بالمعرفة ، وميل على العلم ، وحب في الاطلاع ، وهو لا يعرف ابن تيمية ؟
من الذي لديه همة في المجد ، وعزيمة في الخير ، ورغبة في الصلاح ، ثم لا يعرف ابن تيمية ؟
هل الشمس بحاجة إذا توسطت السماء في يوم صحو أن ينبه على مكانتها ؟ هل القمر في ليلة اكتماله والسماء صافية بحاجة لمن يشيد بعلوه وسنائه ؟
إن ابن تيمية بلغ من الحظوة والرفعة وسمو المنزلة إلى درجة أنه استغنى عن لقب الشيخ ، والعالم ، والإمام ، والمجدد ، وصار أحسن اسمائه أنه: ابن تيمية !
عاشت بعض الدول خمسة قرون ، ثم اندرست وذهبت فلا اثر ولا عين ، ولكن هذا الجهبذ الأعجوبة بقى في ذاكرة الزمان ، وقلب الدهر ، قصة فريدة محفوظة للأجيال ترددها الألسن ، وتترنم بها الشفاء . عاش سلاطين ووزراء ، وأغنياء ، وشعراء ، ثم ماتوا فماتت معهم آثارهم ، وعاش ابن تيمية بلا إمارة ولا وزارة ولا تجارة ، لكن بقى معنا ومع الأجيال من بعدنا حياَ في الضمائر ، ماثلًا في النفوس ، حاضرًا في الدروس والمنتديات العلمية ، ومجامع المعرفة ، وصرح الثقافة .
كلما سلكنا سبل العلم ، وضربنا في فجاج الفنون ، تلقانا ابن تيمية ، فهو إمام في التفسير ، حجة في الحديث ، منظر في المعتقد ، مجدد في الملة ، مجتهد في الفقه ، موسوعة في العلوم ، بحر في السير والأخبار ، آية في الذكاء ، أستاذ في العبقرية وسامحني - أيها القارىء الكريم - إن قلت إنه أصبح اشهر من الدولة التي عاش في عهدها !. ولا نشكوا تقصيرًا في حبه - رحمه الله - ، لكنا نستغفر الله إن غلونا في التعلق به ، كيف ننسى أياديه البيضاء وكلما قلبنا سفرًا