الصفحة 2 من 7

المثل:"لو جريت جري الوحوش غير رزقك ما تحوش"، فلو كل من أراد المال والتجارة نال ذلك لأصبح كل الناس تجارًا أغنياء ولكن الله يعطي من يشاء ويمنع من يشاء حتى تستقيم حياة الناس وكما قيل في المثل:"لو كل من أتى ونجر ما ظل في الوادي شجر".

والله من عدله لا يظلم أهل الدنيا شيئًا فانه يعجل لهم طيباتهم في دنياهم كما قال تعالى: {وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُم بِهَا فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنتُمْ تَفْسُقُونَ} (الأحقاف/20) وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أنس: (إن الله لا يظلم المؤمن حسنة يعطى بها في الدنيا ويثاب عليها في الآخرة، وأما الكافر فيطعم بحسناته في الدنيا وإذا أفضى إلى الآخرة لم تكن له حسنة يعطى بها خيرًا) رواه مسلم. ولكن ليس بالضرورة أن يعطيهم ما يطلبون وما يسعون إليه بل قد يعطيهم إياه، أو يعطيهم بدلًا منه، ولا ينالون من الدنيا إلا ما قُدر لهم قال تعالى: {مَّن كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاء لِمَن نُّرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُومًا مَّدْحُورًا (18) وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُورًا (19) كُلاًّ نُّمِدُّ هَؤُلاء وَهَؤُلاء مِنْ عَطَاء رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاء رَبِّكَ مَحْظُورًا} (20) انظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا (21) سورة الاسراء، قال ابن كثير في تفسيره: (يخبر تعالى أنه ما كل من طلب الدنيا وما فيها من النعيم يحصل له بل إنما يحصل لمن أراد الله وما يشاء وهذه مقيدة لاطلاق ما سواه من الآيات فانه قال: عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد. انتهى باختصار. فان لهم ألا يُظلموا وأما ماذا يعطيهم الله فهذا في علم الله وتقديره الذي أختص به جل وعلا، فعمل أهل الدنيا غير مضمون النتائج، فهم يكدحون الليل والنهار وقد يصلون إلى ما يريدون أو قد لا يصلون ولو جاءوا بكل سبب ووسيلة فانه لا يأتيهم من دنياهم إلا ما كتب الله لهم *.

وأما عمل أهل الآخرة فانه مضمون النتائج فان الله تعالى تكفل لمن جاهد في سبيله وسار إليه وسعى له أن يزيده من فضله ويبارك له في عمله ويجزيه خير الجزاء كما قال تعالى: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ} (العنكبوت/69) وقال جل وعلا أيضًا: {مَن جَاء بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَن جَاء بِالسَّيِّئَةِ فَلاَ يُجْزَى إِلاَّ مِثْلَهَا وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ} (الأنعام/160) وقال تعالى: {وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُورًا} (الإسراء/19) أي مقبولًا منمى مدخرًا لهم أجرهم وثوابهم عند ربهم. كما جاء في الحديث القدسي: يقول الله عز وجل: (( من عمل حسنه فله عشر أمثالها أو أزيد، ومن عمل سيئة فجزاؤها مثلها أو أغفر، ومن عمل قراب الأرض خطيئة، ثم لقيني لا يشرك بي شيئًا، جعلت له مثلها مغفرة، ومن اقترب إلي شبرًا اقتربت إليه ذراعًا، ومن اقترب إلي ذراعا اقتربت إليه باعًا، ومن أتاني يمشي أتيته هرولة ) )متفق عليه. وكما ثبت عن الصحابي الجليل عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: (( أنى لا أحمل هم الإجابة و إنما أحمل هم الدعاء ) )** فالدعاء هو السبب من العبد، والإجابة هي وعد الله، والله لا يخلف الميعاد فمن حقق ما أمر به فقد وعده الله بالإجابة، فليس بين أهل الآخرة ووعد الله إلا أن يقوموا بما أُمروا به كما أراده الله حتى يأتيهم الوعد المحقق وما تخلف وعد الله عن أهل الآخرة إلا بسبب منهم وخلل في العمل وإلا فإنّ الله وعد وهو جل وعلا لا يخلف الميعاد والتاريخ يشهد بذلك، فليفرح أهل الآخرة بعملهم وتجارتهم مع الله وليهنئوا بفضل الله ورحمته قال تعالى: {قُلْ بِفَضْلِ اللّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ} (يونس/58) ، فمن فضله جل وعلا أنه يبارك عمل أهل الآخرة ويضاعفه لهم ويجعله عظيمًا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت