وأما عاطفته الجياشة فلقد أفاضت من روحه على أسرته جميعا ، وتراه لهذا الوفاء لا يتزوج قبل محنته ليرعى الأسرة التي أصبح راعيها بعد أبيه ، يقول الأستاذ محمد قطب عن أخيه سيد: (هو أبي وأخي وأستاذي وصديقي) .
كان سنة (1953م) في ضيافة المؤتمر الإسلامي في القدس ، وقد كان الإخوان آنذاك يشرفون عليه ، يقول فضيلة المراقب العام للإخوان في الأردن -الأستاذ محمد خليفة ـ: كان الأستاذ سيد يطلب مني أن أطلب القاهرة -هذا من عمان- فأقول له: هل طرأت لك حاجة? فيقول: لا ، وإنما هو الشوق لسماع صوت الوالد المرشد العام الهضيبي ولو من خلال الهاتف.
وكثيرا ما كان يردد كلمة الوالد المرشد في التحقيق وفي المحكمة ، ولم يقتصر وفاء الأستاذ سيد على صلته بالبشر بل تعداه إلى علاقته بكل ما حوله حتى للحيوانات ، فلقد أ ل ف نزلاء ليمان طرة قطا أعور تتقزز الأبدان لرؤيته ، كان يأوي بالقرب من الأستاذ سيد قطب يخصص له قسما من طعامه وكان يقول: (ليس من الوفاء أن نجافيه ونضيعه في هرمه بعد طول صحبته لنا) وهو بوفائه يعيد إلى ذاكرتنا سيرة الرعيل الأول كأبي هريرة ويفتح أمام ناظرينا صورة زيد بن الدثنة وهو يقول: (والله لا أحب أن أكون سالما في أهلي ويصاب محمد صلى الله عليه وسلم شوكة في قدمه) وذلك وهو يرد على أبي سفيان عندما سأله: أتحب أن محمدا مكانك نعلقه على خشبة الصلب والإعدام ، فقال أبو سفيان:"ما رأيت مثل حب أصحاب محمد محمدا )."
أقول: هذه النماذج التي أقفرت الأرض منها إلا القليل القليل والتي عقمت الدنيا أن تلد أمثالها ، عاد جنود البنا يجددون سيرة هذا النفر الكريم ، هؤلاء أحيوا الأمل في قلوب مئات الملايين وأثبتوا للدنيا أن الإسلام لا زال قادرا على صناعة الرجال.
يقول الأستاذ سيد قطب لشقيقته حميدة: (إن رأيت الوالد المرشد -وهذا قبل إعدامه بيوم- فبلغيه عني السلام وقولي له: لقد تحمل سيد أقصى ما يتحمله البشر حتى لا تمس بأدنى سوء.