المرحلة الأولى: المحافظة على أموال اليتامى:
/وبهذا الصدد يقول تعالى: {وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلاَ تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلاَ تَاكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا} [النساء:2]
فقد تعرضت الآية الكريمة إلى ترك عملية تبديل أموال اليتامى حيث كان ذلك سائدًا عندهم فقد ذكر المفسرون [1] أن بعض الأوصياء كانوا يأخذون الجيد من مال اليتيم ويبدلونه بالرديء لذلك جاءت الآية الكريمة لتنهي عن هذه التجاوزات غير المشروعة بتبديل أموال هؤلاء الضعفاء. ونهت كذلك عما هو أعظم من التبديل، ألا وهو التجاوز على أصل مال اليتيم فيضمه إلى ماله ويتصرف في الجميع، ويترك هذا المسكين يقاسي متاعب هذه الحياة الكالحة، وقد جمع بهذا التجاوز على اليتيم مشكلة الفقر إضافة إلى مشكلة يتمه.
لذلك وقف القرآن مهددًا ومحذرًا هؤلاء الأولياء المتجاوزين مغبة هذا التعدي الوقح ومبيِّنًا عظم هذا الذنب الكبير فقال سبحانه: «وَلاَ تَاكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا» . ثم يصوِّر مشهدًا مرعبًا , مشهد النار وهى تتأجج في بطون هؤلاء الذين يأكلون أموال اليتامى ظلمًا فيقول تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَاكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَاكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا} [النساء:10] ولهذا بعدما نزلت هذه الآية مباشرة بادر كل من عنده مالٌ ليتيم فعزل طعامه وشرابه واجتنبوا أمورهم نظرًا لما في هذا التحذير من عقاب صارم ينتظر آكل مال اليتيم. ولا شك أن هذا يؤثر نفسيًا بالسلب على اليتيم لشعوره بالعزلة, روى أبو داود (2871) -وحسنه الألباني-عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنه قَالَ: لَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَلاَ تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [الأنعام:152] و {إِنَّ الَّذِينَ يَاكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا .. الْآيَةَ} , انْطَلَقَ مَنْ كَانَ عِنْدَهُ يَتِيمٌ فَعَزَلَ طَعَامَهُ مِنْ طَعَامِهِ وَشَرَابَهُ مِنْ شَرَابِهِ, فَجَعَلَ يَفْضُلُ مِنْ طَعَامِهِ فَيُحْبَسُ لَهُ حَتَّى يَاكُلَهُ أَوْ يَفْسُدَ, فَاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ, فَذَكَرُوا ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ} فَخَلَطُوا طَعَامَهُمْ بِطَعَامِهِ وَشَرَابَهُمْ بِشَرَابِهِ"."
إذًا قد جاءت الآية الكريمة {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلاَحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَاء اللّهُ لأعْنَتَكُمْ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [البقرة:220] لتخفف عنهم هذه الشدة، وتصحح لهم المفهوم الخطأ الذي تصوروه فتسهل عليهم مخالطتهم. فالعبرة بما فيه الإصلاح والخير لليتيم , وإذا كانت المصلحة في مخالطتهم والتعايش معهم فهم إخوانكم، و لا شك في أنّ المخالطة الحسنة تؤكد عرى المحبة.
(1) - تفسير الطبري (7/ 525) الناشر: مؤسسة الرسالة. وتفسير البغوي (2/ 160) دار طيبة للنشر والتوزيع.