فهرس الكتاب
ص -88- به الأخلاق ولذلك سموا صابئين كأنهم صبؤوا عن التعبد بكل ملة من الملل والانتساب إليها. ولهذا قال: غير واحد من السلف ليسوا يهودا ولا نصارى ولا مجوسا وهم نوعان صابئة حنفاء وصابئة مشركون فالحنفاء هم الناجون منهم وبينهم مناظرات ورد من بعضهم على بعض وهم قوم إبراهيم كما أن اليهود قوم موسى والحنفاء منهم أتباعه.
وبالجملة: فالصابئة أحسن حالا من المجوس فأخذ الجزية من المجوس تنبيه على أخذها من الصابئة بطريق الأولى فإن المجوس من أخبث الأمم دينا ومذهبا ولا يتمسكون بكتاب ولا ينتمون إلى ملة ولا يثبت لهم كتاب ولا شبهة كتاب أصلا. ولهذا لما ظهرت فارس على الروم فرح المشركون بذلك لأنهم مثلهم ليسوا أهل كتاب وساء ذلك المسلمين فلما ظهرت الروم على فارس فرح المسلمون لأن النصارى أقرب إليهم من المجوس من أجل كتابهم وكل ما عليه المجوس من الشرك فشرك الصابئة إن لم يكن أخف منه فليس بأعظم منه. وقد تردد الشافعي رحمه الله تعالى في أخذ الجزية منهم في موضع وقطع بأخذها منهم في موضع وعلق القول في موضع كما حكينا لفظه.
فصل: هل يستسلف الإمام الجزية أو يقسطها
فإن قيل فهل للإمام أن يستسلف منهم الجزية؟ قلنا: ليس له ذلك إلا برضاهم كما ليس له أن يستسلف الزكاة إلا برضا رب المال بل الجزية أولى بالمنع فإنها تسقط بالإسلام وبالموت في أثناء السنة وتتداخل عند أبي حنيفة فهي تتعرض للسقوط قبل الحول وبعده.
فإن قيل: فهل له أن يأخذ منهم في أثناء السنة بقسط ما مضى منها؟.
قيل: هذا فيه نزاع فأبو حنيفة يجوز أن يأخذ في كل شهر بقسطه. ولأصحاب الشافعي في ذلك وجهان. قال: أبو المعالي الجويني أظهرهما أنه ليس له ذلك فإن المطالبة في آخر السنة عند استمرار الأحوال بذلك جرت سنن الماضين وسنن المتقدمين والجزية موضوعها على الإمهال كالزكاة.