فهرس الكتاب
ص -34- وأيضا فإنه شبه ذلك بالبهيمة التي تولد مجتمعة الخلق لا نقص فيها ثم تجدع بعد ذلك فعلم أن التغير وارد على الفطرة السليمة التي ولد العبد عليها. وأيضا فالحديث مطابق لقوله تعالى: {فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا} . وهذا يعم جميع الناس.
فعلم أن الله فطر الناس كلهم على فطرته المذكورة وفطرة الله أضافها إليه إضافة مدح لا إضافة ذم فعلم أنها فطرة محمودة لا مذمومة.
يبين ذلك أنه قال: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ} . عليها وهذا نصب على المصدر الذي دل عليه الفعل الأول عند سيبويه وأصحابه فدل على أن إقامة الوجه للدين حنيفا هو فطرة الله التي فطر الناس عليها كما في نظائره مثل قوله: {كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ} . وقوله: {سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا} فهذا عندهم مصدر منصوب بفعل مضمر لازم إضماره دل عليه الفعل المتقدم كأنه قال: كتب الله ذلك عليكم وكذلك هنا فطر الله الناس على ذلك على إقامة الدين حنيفا.
وكذلك فسره السلف. قال ابن جرير في هذه الآية يقول فسدد وجهك نحو الوجه الذي وجهك الله يا محمد لطاعته وهو الدين حنيفا يقول مستقيما لدينه وطاعته فطرة الله التي فطر الناس عليها يقول صنعة الله التي خلق الناس عليها ونصب فطرة على المصدر من معنى قوله: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا} وذلك أن معنى الآية فطر الله الناس على ذلك فطرة.
قال: وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ثم روى عن ابن زيد قال: فطرة الله التي فطر الناس عليها قال: هي الإسلام منذ خلقهم الله من آدم جميعا يقرون بذلك وقرأ وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ