فهرس الكتاب
ص -36- والحديث حجة عليهم من وجهين:
أحدهما: أنه عند المعتزلة وغيرهم من المتكلمين لم يولد أحد منهم على الإسلام أصلا ولا جعل الله أحدا مسلما ولا كافرا ولكن هذا أحدث لنفسه الكفر وهذا أحدث لنفسه الإسلام والله لم يفعل واحدا منهما عندهم بلا نزاع عند القدرية ولكن هو دعاهما إلى الإسلام وأزاح عللهما وأعطاهما قدرة مماثلة فيهما تصلح للإيمان والكفر ولم يختص المؤمن بسبب يقتضي حصول الإيمان فإن ذلك عندهم غير مقدور ولو كان مقدورا لكان ظلما وهذا قول عامة المتعزلة وإن كان بعض متأخريهم كأبي الحسين يقول إنه خص المؤمن بداعي الإيمان ويقول عند الداعي والقدرة يجب وجود الإيمان فهذا في الحقيقة موافق لأهل السنة فهذا أحد الوجهين.
الثاني: أنهم يقولون: إن معرفة الله لا تحصل إلا بالنظر المشروط بالعقل فيستحيل أن تكون المعرفة عندهم ضرورية أو تكون من فعل الله تعالى وإن احتجت القدرية بقوله"فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه"من جهة كونه أضاف التغيير إلى الأبوين فيقال: لهم أنتم تقولون إنه لا يقدر الله ولا أحد من مخلوقاته على أن يجعلهما يهوديين ولا نصرانيين ولا مجوسيين بل هما فعلا بأنفسهما ذلك بلا قدرة من غيرهما ولا فعل من غيرهما.
فحينئذ لا حجة لكم في قوله:"فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه".
وأهل السنة متفقون على أن غير الله لا يقدر على جعل الهدى والضلال في قلب أحد فقد اتفقت الأمة على أن المراد بذلك دعوة الأبوين إلى ذلك وترغيبهما فيه وتربية الولد عليه كما يفعل المعلم بالصبي وذكر الأبوين بناء على الغالب المعتاد وإلا فقد يقع ذلك من أحدهما ومن غيرهما حقيقة وحكما.
قال محمد بن نصر: واحتج ابن قتيبة بقوله: {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى} .
فأجابوا بكلام شاهدين مقرين على أنفسهم بأن الله ربهم ثم ولدوا