ص -221- فصل: دليل اخر من الاية السابقة
وفي الآية دليل من وجه آخر وهو قوله تعالى: {فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ} وهم الذين نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم وطعنوا في ديننا ولكن أقام الظاهر مقام المضمر"1"بينهما على الوصف الذي استحقوا به المقاتلة كقوله تعالى: {الَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ} . ونظائره.
فدل على أن من نكث يمينه وطعن في ديننا فهو من أئمة الكفر وإمام الكفر هو الداعي إليه المتبع فيه.
وإنما صار إماما في الكفر لأجل الطعن وإلا فإن مجرد النكث لا يوجب ذلك.
وهذا ظاهر: فإن الطاعن في الدين يعيبه ويذمه ويدعو إلى خلافه وهذا شأن الإمام.
فإذا طعن الذمي في الدين كان إماما في الكفر فيجب قتاله.
وقوله: {إِنَّهُمْ لا أَيْمَانَ لَهُمْ} علة أخرى لقتاله.
فأما على قراءة الكسر"2"فتكون الآية قد تضمنت ذكر المقتضي للقتال وهو نكث العهد والطعن في الدين وبيان عدم المانع من القتال وهو الإيمان العاصم.
وأما على قراءة فتح الألف فالأيمان جمع يمين وهي أحسن القراءتين لأنه قد تقدم في أول الآية قوله: {وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ} . فأخبر سبحانه عن سبب القتال وهو نكث الأيمان والطعن في الدين ثم أخبر أنه لا أيمان لهم تعصمهم من القتل لأنهم قد نكثوها.
والمراد بالأيمان هنا العهود لا القسم بالله فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقاسمهم بالله عام الحديبية وإنما عاهدهم ونسخة الكتاب محفوظة ليس فيها قسم.
وهذا لأن كلا من المتعاهدين يمد يمينه إلى الآخر.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 أي يقل فقاتلوهم باستعمال ضمير النصب المتصل بل ذكر الظاهر قائلا أئمة الكفر.
2 أي كسر"إيمان"مصدر امن - وهى قراءة الإمام ابن عامر - أما بالفتح"أيمان"فيكون جمع يمين