الصفحة 127 من 142

ص -68- التفصيل الذي يحصل به الإيمان وجاء به الكتاب، هو ما دل عليه قوله تعالى: {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَنْ نَّشَاء مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ } [ الشورى: 25 ] ، وقوله تعالى: {قُلْ إِن ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ } [ سبأ: 50 ] ، وقوله تعالى: {قُلْ إِنَّمَا أُنذِرُكُم بِالْوَحْيِ } [ الأنبياء: 45 ] .

ولكن توهمت طائفة أن للحسن والقبح معنى غير هذا، وأنه يعلم بالعقل، وقابلتهم طائفة أخرى ظنت أن ما جاء به الشرع من الحسن والقبح يخرج عن هذا، فكلا الطائفتين، اللتين أثبتتا الحسن والقبح والعقليين أو الشرعيين، وأخرجتاه عن هذا القسم، غلطت .

ثم إن كلتا [ في المطبوعة: كلتي . والصواب ما أثبتناه ] الطائفتين لما كانتا تنكر أن يوصف الله بالمحبة والرضا، والسخط والفرح، ونحو ذلك مما جاءت به النصوص الإلهية ودلت عليه الشواهد العقلية، تنازعوا بعد اتفاقهم على أن الله لا يفعل ما هو منه قبيح، هل ذلك ممتنع لذاته، وأنه لا يتصور قدرته على ما هو قبيح، وأنه سبحانه منزه عن ذلك، لا يفعله لمجرد القبح العقلي الذي أثبتوه ؟ على قولين .

والقولان في الانحراف من جنس القولين المتقدمين، أولئك لم يفرقوا في خلقه وأمره بين الهدى والضلال، والطاعة والمعصية، والأبرار والفجار، وأهل الجنة وأهل النار، والرحمة والعذاب، فلا جعلوه محمودًا على ما فعله من العدل أو ما تركه من الظلم، ولا ما فعله من الإحسان والنعمة، وما تركه من التعذيب والنقمة .

والآخرون نزهوه بناء على القبح العقلي الذي أثبتوه، ولا حقيقة له، وسووه بخلقه فيما يحسن ويقبح، وشبهوه

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت