فهرس الكتاب
ص -15- وإن كان المخاطب من الغلاة نفاة الأسماء والصفات وقال لا أقول: هو موجود ولا حي ولا عليم ولا قدير، بل هذه الأسماء لمخلوقاته إذ هي مجاز لأن إثبات ذلك يستلزم التشبيه بالموجود الحي العليم، قيل له: كذلك إذا قلت: ليس بموجود، ولا حي، ولا عليم، ولا قدير، كان ذلك تشبيها بالمعدومات، وذلك أقبح من التشبيه بالموجودات، فإن قال: أنا أنفي النفي والإثبات، قيل له: فيلزمك التشبيه بما اجتمع فيه النقيضان من الممتنعات، فإنه يمتنع أن يكون الشيء موجودًا معدومًا أو لا موجودًا ولا معدومًا، ويمتنع أن يكون يوصف ذلك باجتماع الوجود والعدم، أو الحياة والموت، أو العلم والجهل أو يوصف بنفي الوجود والعدم، ونفي الحياة والموت ونفي العلم والجهل، فإن قلت إنما يمتنع نفي النقيضين عما يكون قابلًا لهما، وهذان يتقابلان تقابل العدم والملكة، لا تقابل السلب والإيجاب، فإن الجدار لا يقال له أعمى ولا بصير ولا حي ولا ميت، إذ ليس بقابل لهما، قيل لك: أولا هذا لا يصح في الوجود والعدم، فإنهما متقابلان تقابل السلب والإيجاب باتفاق العقلاء، فيلزم من رفع أحدهما ثبوت الآخر، وأما ما ذكرته من الحياة والموت والعلم والجهل: فهذا اصطلاح اصطلحت عليه المتفلسفة المشاءون، والاصطلاحات اللفظية ليست دليلا على نفي الحقائق العقلية، وقد قال الله تعالى: {وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ لاَ يَخْلُقُونَ شيئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ . أَمْواتٌ غَيْرُ أَحْيَاء وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ } [ النحل: 20، 21 ] .
فسمى الجماد ميتًا، وهذا مشهور في لغة العرب وغيرهم، وقيل لك ثانيا: فما لا يقبل الاتصاف بالحياة والموت والعمى والبصر، ونحو ذلك من المتقابلات، أنقص مما يقبل ذلك -، فالأعمى الذي يقبل الاتصاف بالبصر، أكمل من الجماد الذي لا يقبل واحدًا منهما، فأنت فررت من تشبيهه بالحيوانات القابلة لصفات الكمال،