الصفحة 30 من 142

ص -17- ما اختص الله به، وامتاز عن خلقه أعظم مما يخطر بالبال، أو يدور في الخيال .

وهذا يتبين بالأصل الثاني، وهو أن يقال القول في الصفات كالقول في الذات، فإن الله ليس كمثله شيء؛ لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله، فإذا كان له ذات حقيقة لا تماثل الذوات، فالذات متصفة بصفات حقيقة لا تماثل سائر الصفات، فإذا قال السائل: كيف استوى على العرش ؟

قيل له: كما قال ربيعة ومالك وغيرهما رضي الله عنهما: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به، واجب والسؤال عن الكيفية بدعة . لأنه سؤال عما لا يعلمه البشر، ولا يمكنهم الإجابة عنه، وكذلك إذا قال: كيف ينزل ربنا إلى السماء الدنيا ؟

قيل له: كيف هو ؟ فإذا قال لا أعلم كيفيته . قيل له: ونحن لا نعلم كيفية نزوله إذ العلم بكيفية الصفة، يستلزم العلم بكيفية الموصوف، وهو فرع له، وتابع له، فكيف تطالبني بالعلم بكيفية سمعه وبصره وتكليمه واستوائه، ونزوله، وأنت لا تعلم كيفية ذاته ؟ .

وإذا كنت تقر بأن له حقيقة ثابته في نفس الأمر، مستوجبه لصفات الكمال، لا يماثلها شيء، فسمعه وبصره وكلامه ونزوله واستواؤه ثابت في نفس الأمر، وهو متصف بصفات الكمال التي لايشابهه فيها سمع المخلوقين، وبصرهم، وكلامهم، ونزولهم، واستواؤهم، وهذا الكلام لازم لهم في العقليات، وفي تأويل السمعيات، فإن من أثبت شيئًا ونفي شيئًا بالعقل، إذا ألزم فيما نفاه من الصفات التي جاء بها الكتاب والسنة، نظير ما يلزمه فيما أثبته؛ ولو طولب بالفرق بين المحذور في هذا وهذا لم يجد بينهما فرقًا؛ ولهذا لا يوجد لنفاة بعض الصفات دون بعض الذين يوجبون فيما نفوه، إما التفويض وإما التأويل المخالف لمقتضى اللفظ قانون مستقيم .

فإذا قيل لهم: لم تأولتم هذا وأقررتم هذا والسؤال فيهما واحد ؟ . لم يكن لهم جواب صحيح، فهذا تناقضهم في النفي وكذا تناقضهم في الإثبات، فإن من تأول النصوص على معنى

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت