الصفحة 50 من 142

ص -27- لو أطعمته لوجدت ذلك عندي، ولو عدته لوجدتني عنده، فلم يبق في الحديث لفظ يحتاج إلى تأويل، وأما قوله"قلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن"، فإنه ليس في ظاهره أن القلب متصل بالأصابع، ولا مماس لها، ولا أنها في جوفه، ولا في قول القائل هذا بين يدي ما يقتضي مباشرته ليديه، وإذا قيل: السحاب المسخر بين السماء والأرض، لم يقتض أن يكون مماسًا للسماء والأرض، ونظائر هذا كثيرة، ومما يشبه هذا القول؛ أن يجعل اللفظ نظيرًا لما ليس مثله، كما قيل في قوله {مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ ؟ } [ ص: 75 ] . فقيل هو مثل قوله: {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ } ؟ [ يس: 71 ] . فهذا ليس مثل هذا، لأنه هنا أضاف الفعل إلى الأيدي، فصار شبيهًا بقوله: {فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ } [ الشورى: 30 ] . وهنا أضاف الفعل إليه فقال: {لِمَا خَلَقْتُ } ثم قال: {بِيَدَيَّ } وأيضا: فإنه هنا ذكر نفسه المقدسة بصيغة المفرد وفي اليدين ذكر لفظ التثنية، كما في قوله: {بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ } [ المائدة: 64 ] وهناك أضاف الأيدي إلى صيغة الجمع، فصار كقوله: {تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا } [ القمر: 14 ] .

وهذا في الجمع نظير قوله: {بِيَدِهِ الْمُلْكُ } [ الملك: 1 ] . وبيده الخير في المفرد فالله سبحانه وتعالى يذكر نفسه تارة بصيغة المفرد مظهرًا أو مضمرًا، وتارة بصيغة الجمع، كقوله: {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا } [ الفتح: 1 ] . وأمثال ذلك . ولا يذكر نفسه بصيغة التثنية قط، لأن صيغة الجمع تقتضي التعظيم الذي يستحقه، وربما تدل على معاني أسمائه، وأما صيغة التثنية، فتدل على العدد المحصور، وهو مقدس عن ذلك، فلو قال: مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت