فهرس الكتاب
ص -60- قلت: وليعلم السائل أن الغرض من هذا الجواب: ذكر ألفاظ بعض الأئمة الذين نقلوا مذهب السلف في هذا الباب، وليس كل من ذكرنا شيئًا من قوله ـ من المتكلمين وغيرهم ـ يقول بجميع ما نقوله في هذا الباب وغيره، ولكن الحق يقبل من كل من تكلم به؛ وكان معاذ بن جبل يقول في كلامه المشهور عنه، الذي رواه أبو داود في سننه: اقبلوا الحق من كل من جاء به؛ وإن كان كافرًا ـ أو قال: فاجرًا ـ واحذروا زيغة الحكيم . قالوا: كيف نعلم أن الكافر يقول كلمة الحق ؟ قال: إن على الحق نورًا، أو قال كلامًا هذا معناه .
فأما تقرير ذلك بالدليل، وإماطة ما يعرض من الشبه، وتحقيقًا لأمر على وجه يخلص إلى القلب ما يبرد به من اليقين، ويقف على مواقف آراء العباد في هذه المهامه، فما تتسع له هذه الفتوى، وقد كتبت شيئًا من ذلك قبل هذا، وخاطبت ببعض ذلك بعض من يجالسنا، وربما أكتب ـ إن شاء اللّه ـ في ذلك ما يحصل به المقصود .
وجماع الأمر في ذلك: أن الكتاب والسنة يحصل منهما كمال الهدى والنور لمن تدبر كتاب اللّه وسنة نبيه، وقصد اتباع الحق، وأعرض عن تحريف الكلم عن مواضعه، والإلحاد في أسماء اللّه وآياته .
ولا يحسب الحاسب أن شيئًا من ذلك يناقض بعضه بعضًا البتة؛ مثل أن يقول القائل: مافي الكتاب والسنة ـ من أن اللّه فوق العرش ـ يخالفه الظاهر من قوله: { وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ} [ الحديد: 4 ] .
وقوله صلى الله عليه وسلم:"إذا قام أحدكم إلى الصلاة فإن اللّه قِبَل وجهه"، ونحو ذلك، فإن هذا غلط .
وذلك أن اللّه معنا حقيقة، وهو فوق العرش حقيقة، كما جمع اللّه بينهما في قوله سبحانه وتعالى: هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ السَّمَاء وَمَا يَعْرُجُ