الصفحة 118 من 132

ص -62- فمن كان أعبد علمًا وحالا كانت عبوديته أكمل، فكانت الإضافة في حقه أكمل، مع أنها حقيقة في جميع المواضع .

ومثل هذه الألفاظ يسميها بعض الناس [ مشككة ] ؛ لتشكك المستمع فيها، هل هي من قبيل الأسماء المتواطئة أو من قبيل المشتركة في اللفظ فقط . والمحققون يعلمون أنها ليست خارجة عن جنس المتواطئة؛ إذ واضع اللغة إنما وضع اللفظ بإزاء القدر المشترك، وإن كانت نوعا مختصًا من المتواطئة فلا بأس بتخصيصها بلفظ .

ومن علم أن [ المعية ] تضاف إلى كل نوع من أنواع المخلوقات ـ كإضافة الربوبية مثلا ـ وأن الاستواء على الشيء ليس إلا للعرش، وأن اللّه يوصف بالعلو والفوقية الحقيقية، ولا يوصف بالسفول ولا بالتحتية قط، لا حقيقة ولا مجازًا، علم أن القرآن على ما هو عليه من غير تحريف .

ثم من توهم أن كون اللّه في السماء، بمعنى أن السماء تحيط به وتحويه، فهو كاذب ـ إن نقله عن غيره ـ وضال ـ إن اعتقده في ربه ـ وما سمعنا أحدًا يفهم هذا من اللفظ، ولا رأينا أحدًا نقله عن واحد، ولو سئل سائر المسلمين: هل تفهمون من قول اللّه ورسوله:"إن اللّه في السماء": أن السماء تحويه، لبادر كل أحد منهم إلى أن يقول: هذا شيء لعله لم يخطر ببالنا .

وإذا كان الأمر هكذا، فمن التكلف أن يجعل ظاهر اللفظ شيئًا محالًا لا يفهمه الناس منه، ثم يريد أن يتأوله، بل عند الناس [ أن اللّه في السماء ] ، [ وهو على العرش ] واحد؛ إذ السماء إنما يراد به العلو، فالمعنى: أن اللّه في العلو لا في السفل، وقد علم المسلمون أن كرسيه ـ سبحانه وتعالى ـ وسع السموات والأرض، وأن الكرسي في العرش كحلقة ملقاة بأرض فلاة، وأن العرش خلق من مخلوقات اللّه لا نسبة له إلى قدرة اللّه وعظمته، فكيف يتوهم بعد هذا أن خلقًا يحصره ويحويه ؟ وقد قال سبحانه: { وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ} [ طه: 71 ] ، وقال: فَسِيرُواْ فِي

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت