فهرس الكتاب
ص -25- فقول ربيعة ومالك: [ الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب ] ، موافق لقول الباقين: أمِرُّوها كما جاءت بلا كيف، فإنما نفوا علم الكيفية، ولم ينفوا حقيقة الصفة .
ولو كان القوم قد آمنوا باللفظ المجرد من غير فهم لمعناه ـ على ما يليق باللّه ـ لما قالوا: الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، ولما قالوا: أمِرُّوها كما جاءت بلا كيف، فإن الاستواء ـ حينئذ ـ لا يكون معلوما بل مجهولا بمنزلة حروف المعجم .
وأيضًا، فإنه لا يحتاج إلى نفي علم الكيفية إذا لم يفهم عن اللفظ معنى، وإنما يحتاج إلى نفي علم الكيفية إذا أثبتت الصفات .
وأيضًا، فإن من ينفي الصفات الخبرية ـ أو الصفات مطلقًا ـ لا يحتاج إلى أن يقول: بلا كيف، فمن قال: إن اللّه ليس على العرش، لا يحتاج أن يقول: بلا كيف، فلو كان مذهب السلف نفي الصفات في نفس الأمر لما قالوا: بلا كيف .
وأيضًا، فقولهم: [ أمِرُّوها كما جاءت ] يقتضي إبقاء دلالتها على ما هي عليه، فإنها جاءت ألفاظ دالة على معانٍ، فلو كانت دلالتها منتفية لكان الواجب أن يقال: أمِرُّوا لفظها، مع اعتقاد أن المفهوم منها غير مراد، أو أمِرُّوا لفظها مع اعتقاد أن اللّه لا يوصف بما دلت عليه حقيقة، وحينئذ فلا تكون قد أمرت كما جاءت، ولا يقال حينئذ: بلا كيف؛ إذ نفي الكيف عما ليس بثابت لغو من القول .
وروى الأثرم في [ السنة ] ، وأبو عبد اللّه بن بطة في [ الإبانة ] ، وأبو عمرو الطلمنكي، وغيرهم بإسناد صحيح، عن عبد العزيز بن عبد اللّه بن أبي سلمة الماجشون ـ وهو أحد أئمة المدينة الثلاثة، الذين هم مالك بن أنس، وابن الماجشون، وابن أبي ذئب ـ وقد سئل عما جحدت به الجهمية: [ أما بعد، فقد فهمت ما سألت فيما تتابعت الجهمية ومن خلفها، في صفة الرب العظيم، الذي فاقت عظمته الوصف والتدبر، وكَلَّت الألسن عن تفسير صفته، وانحصرت العقول دون معرفة