فهرس الكتاب
ص -26- يجول ويزول، ولا يرى له سمع ولا بصر؛ لما يتقلب به ويحتال من عقله أعضل بك، وأخفي عليك مما ظهر من سمعه وبصره، فتبارك اللّه أحسن الخالقين، وخالقهم وسيد السادة، وربهم { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} [ الشورى: 11 ] .
اعرف ـ رحمك اللّه ـ غناك عن تَكلُّف صفة، ما لم يصف الرب من نفسه بعجزك عن معرفة قدر ما وصف منها؛ إذا لم تعرف قدر ما وصف فما تكلفك علم ما لم يصف ؟ هل تستدل بذلك على شيء من طاعته أو تزدجر به عن شيء من معصيته ؟
فأما الذي جحد ما وصف الرب من نفسه تعمقًا وتكلفًا فقد { اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الأَرْضِ حَيْرَانَ} [ الأنعام: 71 ] ، فصار يستدل ـ بزعمه ـ على جحد ما وصف الرب وسمى من نفسه بأن قال: لابد إن كان له كذا من أن يكون له كذا، فعمى عن البين بالخفي، فجحد ما سمى الرب من نفسه لصمت الرب عما لم يسم منها، فلم يزل يملي له الشيطان حتى جحد قول اللّه عز وجل: { وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} [ القيامة: 22، 23 ] فقال: لا يراه أحد يوم القيامة، فجحد ـ واللّه ـ أفضل كرامة اللّه التي أكرم بها أولياءه يوم القيامة من النظر إلى وجهه ونضرته إياهم { فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ} [ القمر: 55 ] قد قضى أنهم لا يموتون، فهم بالنظر إليه ينضرون . إلى أن قال: وإنما جحد رؤية اللّه يوم القيامة إقامة للحجة الضالة المضلة؛ لأنه قد عرف أنه إذا تجلى لهم يوم القيامة رأوا منه ما كانوا به قبل ذلك مؤمنين، وكان له جاحدًا .
وقال المسلمون: يارسول اللّه، هل نرى ربنا يوم القيامة ؟ فقال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم:"هل تُضَارُّون في رؤية الشمس ليس دونها سحاب ؟ ] قالوا: لا . قال:"فهل تضارون في رؤية القمر ليلة البدر ليس دونه سحاب ؟"قالوا: لا . قال:"فإنكم ترون ربكم يومئذ