فهرس الكتاب
ص -142- وأن العالم محدث ذكر هذا اللفظ نقلا لمذهبهم بالمعنى وإذا كان كذلك لم يكن هذا متناولا لموارد النزاع بين الامة.
الوجه التاسع والعشرون: أنه اورد من جهة المنازع أنه لا يعنى بكونه مختصا بالحيز والجهة إلا أنه مباينا عن العالم منفردا عنه ممتازا عنه وكونه كذلك لا يقتضي وجودا آخر سوى ذات الله تعالى فبطل قولكم لو كان في الجهة لكان مفتقرا إلى الغير وهذا كلام جيد قوي كما قد بيناه في ما مضى أن الحيز لا خلاف بين الناس أنه قد يراد به ما ليس بخارج عن مسمى الذات وأن هؤلاء المنازعين لا يقولون أن مع الباري موجودا هو داخل في مسمى نفسه أو موجودا مستغنيا عنه فضلا عن أن يكون الرب مفتقرا إليه بل كلما سواه فإنه محتاج إليه وقد قرر لهم ذلك بالعالم فقال:
"والذي يدل على صحة ما ذكرنا أن العالم لا نزاع في أنه مختص بالحيز والجهة وكونه مختصا بالحيز والجهة لا معنى له إلا كون البعض منفردا عن البعض ممتازا عنه وإذا عقلنا هذا المعنى ههنا فلم لا يجوز مثله في كون الباري مختصا بالحيز والجهة وهذا كلام سديد وهو قياس من باب الأولى."
ومثل هذا القياس يتعمل في حق الله تعالى وكذل ورد به الكتاب والسنة واستعمله سلف الأمة وأئمتها كقوله تعالى: {ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ} الآية وقوله: {أَمْ لَهُ الْبَنَاتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ} وقوله: {أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ} وقوله: وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ