فهرس الكتاب
ص -68- يؤيد ذلك الوجه الثاني: وهو أن الحديث كان بعد نسخ الوضوء مما مست النار فإنه يبين فيه أنه لا يوجب الوضوء من لحوم الغنم وقد أمر فيه بالوضوء من لحوم الإبل فعلم أن الأمر بذلك بعد النسخ.
الثالث: أنه فرق بينهما في الوضوء وفي الصلاة في المعاطن أيضًا وهذا التفريق ثابت محكم لم يأت عنه نص بالتسوية بينهما في الوضوء والصلاة فدعوى النسخ باطل بل عمل المسلمين بهذا الحديث في الصلاة يوجب العمل فيه بالوضوء إذ لا فرق بينهما.
الرابع: أنه أمر بالوضوء من لحم الإبل وذلك يقتضي الوضوء منه نيئًا ومطبوخًا وذلك يمنع كونه منسوخًا.
الخامس: أنه لو أتى عن النبي صلى الله عليه وسلم نص عام بقوله: لا وضوء مما مست النار لم يجر جعله ناسخًا لهذا الحديث من وجهين:
أحدهما: إنه لا يعلم أنه قبله وإذا تعارض العام والخاص ولم يعلم التاريخ فلم يقل أحد من العلماء أنه ينسخه بل إما أن يقال الخاص هو المقدم كما هو المشهور من مذهب مالك والشافعي وأحمد في المشهور عنه وإما أن يتوقف بل لو علم أن العام بعد الخاص لكان الخاص مقدمًا.
والثاني: إنه قد بينا أن هذا الخاص بعد العام فإن كان نسخ كان الخاص ناسخًا.
وقد اتفق العلماء على أن الخاص المتأخر هو المقدم على العام المتقدم فعلم باتفاق المسلمين على أنه لا يجوز تقديم مثل هذا العام على الخاص لو كان هنا لفظ عام كيف ولم يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم حديث عام ينسخ الوضوء من كل ما مسته النار. وإنما ثبت في الصحيح: أنه أكل كتف شاة ثم صلى ولم يتوضأ وكذلك أتى بالسويق فأكل منه ثم لم يتوضأ.
وهذا فعل لا عموم له فإن التوضؤ من لحم الغنم لا يجب باتفاق الأئمة المتبوعين والحديث المتقدم دليل ذلك.
وأما جابر فإنما نقل عن النبي صلى الله عليه وسلم: أن آخر الأمرين ترك الوضوء مما مست النار وهذا نقل لفعله لا لقوله. فإذا شاهدوه قد أكل لحم غنم ثم صلى ولم يتوضأ بعد أن كان يتوضأ منه صح أن يقال: الترك