فهرس الكتاب
ص -29- بها في العقل وتكون بخلاف ذلك حتى إن الواحد منهم هو الذي يقول في القول إنه مقطوع به ويقول فيه تارة أخرى إنه باطل
وإذا لم يكن مقطوعا به فقد يكون مظنونا غير معلوم الصحة والفساد وقد يكون خطأ معلوم الفساد أو مظنونه وقد يكون مشكوكا فيه فعامة هذه الأقوال المتنازع فيها التي يقول قائلها: أنها مقطوع بها تعتورها هذه الاحتمالات وعدم القطع بها بل ظنها والشك فيها ونقيضها والقطع بنقيضها ثم غاية ما يقدر أن تكون صوابا معلوما أنها صواب عند صاحبها فليس كل ما كان كذلك يجب على جميع المؤمنين اعتقاده إذ طرق العلم بذلك قد تكون خفية مشتبهة فلا يجب التكليف بموجبها لجميع المؤمنين ولو كانت عقلية ظاهرة معلومة بأدنى نظر لم يجب في كل ما كان كذلك أن يكون اعتقاده واجبا على كل المؤمنين مثل كثير من مسائل الحساب والطب والهيئة وغير ذلك فهذه ثلاث مقدمات عظيمة
أحدها: إنه ليس ما اعتقد قائله أنه حق مقطوع به معلوم بالعقل أو بالشرع يكون كذلك
والثانية: إنه ليس ما علم الواحد أنه حق مقطوع به عنده يجب اعتقاده على جميع الناس
الثالث: إنه ليس ما كان معلوما مقطوعا به بأدنى نظر يجب اعتقاده وإذا كان كذلك فغاية ما يبين من يوجب هذه المقالات أنها حق مقطوع به عقلي معلوم بأدنى نظر وإذا كان مع هذا لا يجب اعتقاد ذلك على المكلفين حتى يعلم وجوب ذلك بالأدلة الشرعية التي يعلم بها الوجوب لم يكن له أن يوجب على الناس هذا الاعتقاد ويعاقب تاركيه حتى يبين أن الشارع أوجب ذلك على الناس على هذا الوجه وهذا مما لم يذكروه ولا سبيل إليه فكيف والأمر بالعكس عند من يبين أن ماقالوه خطأ مخالف للعقل الصريح وللنقل الصحيح معلوم الفساد بضررة العقل ونظره مخالف للكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة وإن الشارع أخبر بنقيضه وأوجب اعتقاد ضده