فهرس الكتاب
ص -45- وعلى هذا فإذا كان شعر الكلب رطبًا وأصاب ثوب الإنسان فلا شيء عليه كما هو مذهب جمهور الفقهاء أبي حنيفة ومالك وأحمد في إحدى الروايتين عنه وذلك لأن الأصل في الأعيان الطهارة فلا يجوز تنجيس شيء ولا تحريمه إلا بدليل كما قال تعالى: {وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلاَّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ} الأنعام: 119. وقال تعالى: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ} التوبة: 115. وقال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح:"إن من أعظم المسلمين جرمًا من سأل عن شيء لم يحرم فحرم من أجل مسألته".
وفي السنن: عن سلمان الفارسي -مرفوعًا ومنهم من يجعله موقوفًا- أنه قال:"الحلال ما أحل الله في كتابه والحرام ما حرم الله في كتابه وما سكت عنه فهو مما عفا عنه".
وإذا كان كذلك فالنبي صلى الله عليه وسلم قال:"طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسله سبعًا أولاهن بالتراب". وفي الحديث الآخر:"إذا ولغ الكلب".
فأحاديثه كلها ليس فيها إلا ذكر الولوغ لم يذكر سائر الأجزاء فتنجيسها إنما هو بالقياس.
فإذا قيل: إن البول أعظم من الريق كان هذا متوجهًا. وأما إلحاق الشعر بالريق فلا يمكن لأن الريق متحلل من باطن الكلب بخلاف الشعر فإنه نابت على ظهره والفقهاء كلهم يفرقون بين هذا وهذا فإن جمهورهم يقولون: إن شعر الميتة طاهر بخلاف ريقها والشافعي وأكثرهم يقولون: إن الزرع النابت في الأرض النجسة طاهر فغاية شعر الكلب أن يكون نابتًا في منبت نجس كالزرع النابت في الأرض النجسة فإذا كان الزرع طاهرًا فالشعر أولى بالطهارة لأن الزرع فيه أثر النجاسة بخلاف الشعر فإن فيه من اليبوسة والجمود ما يمنع ظهور ذلك.
فمن قال من أصحاب أحمد: كابن عقيل وغيره: إن الزرع طاهر فالشعر أولى ومن قال: إن الزرع نجس فإن الفرق بينهما ما ذكره. فإن الزرع يلحق بالجلاّلة