فهرس الكتاب
ص -17- أنزل الله تعالى: {يَسْأَلونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا} البقرة: 219 والمنافع التي كانت قيل: هي المال وقيل: هي اللذة ومعلوم أن الخمر كان فيها كلا هذينْ فإنهم كانوا ينتفعون بثمنها والتجارة فيها كما كانوا ينتفعون باللذة التي في شربها ثم إنه صلى الله عليه وسلم لما حرم الخمر لعن الخمر وعاصرها ومعتصرها وبائعها ومشتريها وحاملها والمحمولة إليه وساقيها وشاربها وآكل ثمنها وكذلك الميسر كانت النفوس تنتفع بما تحصله به من المال وما يحصل به من لذة اللعب. ثم قال تعالى: {وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا} البقرة: 219 لأن الخسارة في المقامرة أكثر والألم والمضرة في الملاعبة أكثر.
ولعل المقصود الأول لأكثر الناس بالميسر إنّما هو الانشراح بالملاعبة والمغالبة كما أن المقصود الأول لأكثر الناس بالخمر إنّما هو ما فيها من لذة الشرب وإنّما حرم العوض فيها لأخذ مال بلا منفعة فيه فهو أكل مالٍ بالباطل كما حرم ثمن الخمر والميتة والخنزير والأصنام فكيف تجعل المفسدة المالية هي حكمة النهي فقط وهي تابعة وتترك المفسدة الأصلية التي هي فساد العقل والقلب والمال مادة البدن والبدن تابع القلب وقال النبي صلى الله عليه وسلم:"ألا إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح بها سائر الجسد وإذا فسدت فسد بها سائر الجسد ألا وهي القلب"والقلب هو محل ذكر الله تعالى وحقيقة الصلاة.
فأعظم الفساد في تحريم الخمر والميسر إفساد القلب الذي هو ملك البدن أن يصد عما خلق له من ذكر الله والصلاة. ويدخل فيما يفسد من التعادي والتباغض والصلاة حق الحق والتحاب والموالاة حق الخلق وأين هذا من أكل مال بالباطل.
ومعلوم أن مصلحة البدن مقدمة على مصلحة المال ومصلحة القلب مقدمة على مصلحة البدن وإنّما حُرمة المال لأنه مادة البدن ولهذا قدم الفقهاء