فهرس الكتاب
على نقله وفي عادتهم الخاصة ودينهم الخاص برهان آخر أخص من الأول وأكمل وهذا معلوم على سبيل التفصيل من حال أمتنا فإنا نعلم علما ضروريا بالنقل المتواتر من عادة سلف الأمة ودينهم الموجب للصدق والبيان المانع من الكذب والكتمان ما يوجب علما ضروريا لنا بما تواتر لنا عنهم وبانتفاء أمور لو كانت موجودة لنقلوها وأهل الكتابين قلنا عندهم من التواتر بحمل الأمور ما يحصل
ص -104- به المقصود في هذا الموضع وإن كان قد يجيء كذب أو كتمان في بعض التفاصيل من أهل الكتابين قبلنا وفي بعض أمتنا فهذا هو أقل بكثير مما يقع من الكذب والكتمان بأخبار الفرس واليونان والهند وغيرهم ممن ينقل أخبار ملوكهم وعلمائهم ونحو ذلك وما من عاقل يسمع الخبر عن هؤلاء وعن هؤلاء كما هو موجود في هذا الزمان في الكتب والألسنة إلا ويحصل له من العلوم الضرورية بأحوال الأنبياء وأوليائهم وأعدائهم أعظم مما يحصل من العلوم بأحوال ملوك الفرس والروم وعلمائهم وأوليائهم وأعدائهم وهذا بين ولله الحمد.
ولولا أن هذا الجواب إنما كان القصد به الكلام على هذه العقيدة المختصرة لكان البسط لي في هذا الموضع أولى من ذلك فإن هذه المقامات تحتمل بسطا عظيما لكن نبهنا على مقدمات نافعة فإن أكثر أهل الكلام مقصرون في حجج الاستدلال على تقرير ما يجب تقريره من التوحيد والنبوة تقصيرا كثيرا جدا كما أنهم كثيرا ما يخطئون فيما يذكرونه من المسائل ومن لا يعرف الحقائق يظن أن ما ذكروه هو الغاية في أصول الدين والنهاية في دلائله ومسائله فيورثه ذلك مخالفة الكتاب والسنة بل وصريح العقل في مواضع ويورثه استضعافا لكثير من أصولهم وشكا فيما ذكروه من أصول الدين واسترابة بل قد يورثه ترجيحا لأقوال من يخالف الرسل من متفلسفة وصابئين ومشركين ونحوهم حتى يبقى في الباطن منافقا زنديقا وفي الظاهر متكلما يذب عن النبوات.
ولهذا قال أحمد وغيره ممن قال من السلف:"علماء الكلام زنادقة"وما ارتدى