الصفحة 160 من 250

بكلام قوي مفحم حتى إذا ساعدهم على الحاجة إلى المعلم مساعد وقال هات علمه وأفدنا من تعليمه وقف فقال الآن إذا سلمت لي هذا فاطلبه فإنما غرضي هذا القدر فقط إذ علم أنه لو زاد على ذلك لافتضح ولعجز عن حل أدنى المشكلات بل عجز عن فهمه فضلا عن جوابه قال ثم إني لما فرغت من هذه أقبلت بهمتي على طريق الصوفية وعلمت أن طريقهم إنما يتم بعلم وعمل وكان حاصل علمهم قطع عقبات

ص -112- النفس والتنزه عن أخلاقها المذمومة وصفاتها الخبيثة حتى يتوصل بها إلى تخلية القلب عن غير الله تعالى وتحليته بذكر الله وكان العلم أيسر علي من العمل فابتدأت بتحصيل علمهم من مطالعة كتبهم مثل قوت القلوب لأبي طالب المكي وكتب الحارث المحاسبي والمتفرقات المنثورة عن الجنيد والشبلي وأبي يزيد البسطامي قدس الله أرواحهم وغير ذلك من كلام المشائخ حتى اطلعت على كثير من مقاصدهم العلمية وحصلت ما يمكن أن يحصل من طريقهم بالتعلم والسماع وظهر لي أن أخص خواصهم ما لا يمكن الوصول إليه بالتعلم بل بالذوق والحال وتبدل الصفات وكم من الفرق بين أن يعلم حد الصحة وحد الشبع وأسبابهما وشروطهما وبين أن يكون صحيحا شبعان وبين أن يعرف حد السكر وأنه عبارة عن حالة تحصل عن استيلاء أبخرة تتصاعد من المعدة إلى معادن الفكر وبين أن يكون سكران بل السكران لا يعرف حد السكر وأركانه وهو سكران وما معه من علمه شيء والطبيب يعرف حد السكر وأركانه وما معه من السكر شيء والطبيب في حالة المرض يعرف حد الصحة وأدويتها وهو فاقد الصحة.

فكذلك الفرق بين من يعرف حقيقة الزهد وشروطها وأسبابها وبين من يكون حالة الزهد عزوف النفس عن الدنيا فعلمت يقينا أنهم أرباب أحوال لا أصحاب أقوال وأن ما يمكن تحصيله بطريق العلم قد حصلته.

ولم يبق إلا ما لا سبيل إليه بالتعلم والسماع بل بالذوق والسلوك وكان قد حصل معي من العلوم التي مارستها والمسالك التي سلكتها في تفتيشي عن صنفي العلوم الشرعية

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت