فهرس الكتاب
ص -127- ويقولون أن الرسالة والنبوة تتضمن نزول كلام الله تعالى منفصل عن النبي صلى الله عليه وسلم ينزل عليه كما يقول ذلك سائر المسلمين ثم قد يقول من يقول من المعتزلة أن النبوة جزاء على عمل متقدم وأن النبي لما قام بواجبات عقلية أكرمه الله تعالى عليها بالنبوة مع كون النبي متميزا بصفات خصه الله تعالى بها وهذا القول موافق في الجملة قول أكثر الناس وهو أن النبوة والرسالة تتضمن كلام الله سبحانه الذي ينزل على رسوله ونبيه وإنه مع ذلك مختص بصفات اختصه الله تعالى بها دون غيره من الأنبياء وأنه لا يكون النبي والرسول كسائر الناس في العقل والخلق وغير ذلك بل هو متميز عن الناس بذلك والنبوة فضل الله يؤتيه من يشاء لكن مع ذلك {اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَه} .
وما ذكره أبو حامد فيه من تقرير النبوة في الجملة على الأصول التي يسلمها المتفلسفة ويعرفونها ما ينتفع به من كان متفلسفا محضا فإن ذلك يوجب أن يدخل في الإسلام نوع دخول وكلام أبي حامد في هذا ونحوه يصلح أن يكون برزخا بين المتفلسفة وبين أهل الملل من المسلمين واليهود والنصارى فالمتفلسفة تنتفع به حيث يصير عندهم من الإيمان والعلم ما لا يحصل لهم بمجرد الفلسفة.
وأما من كان مسلما يريد أن يستكمل العلم والإيمان فإن ذلك يضره من وجه ويرده عن كثير من كمال الإيمان بالله ورسوله واليوم الآخر وإن كان ينفعه من حيث يحول بينه وبين الفلسفة المحضة إلا أن يكون حسن الظن بالفلسفة دون أصول الإسلام فإنه يخرجه إلى الإلحاد المحض كما أصاب ابن عربي الطائي وابن سبعين وأمثالهما وقد أخبر هو بما حصل له من السفسطة وأنه انحصرت فرق الطالبين عنده في أربع فرق المتكلمين والباطنية والفلاسفة والصوفية.
ومعلوم أن هذه الفرق كلها حادثة بعد عصر الصحابة بل وبعد عصر التابعين بل إنما ظهرت وانتشرت بعد القرون الثلاثة الصحابة والتابعين وتابعيهم ثم الفلاسفة والباطنية هم كفار كفرهم