ص -185- وأصح ما بأيديهم التشريح والاستقراء التام الذي لا يخرم ونحن لا ننكر ذلك ولكن ليس فيه ما يخالف الوحي عن خلاف الأجنة أبدا ومما يدل على أن القوم لم يخبروا في ذلك عن مشاهدة قولهم إن الجنين الذي يولد في الشهر السابع يصير ديديا في تسعة أيام ودمويا في ثمانية أيام أخر ولحميا في تسعة أيام أخر ويقبل الصورة في أثنى عشر يوما أخر فإذا اجتمعت هذه الأيام صارت خمسة وثلاثين يوما فجعلوه مضغة في الأربعين الأولى وهذا كذب ظاهر قطعا وإنما يصير لحميا بعد الثمانين ومثل هذا لا يدرك إلا بوحي أو مشاهدة وكلاهما مفقود عندهم وإنما بأيديهم قياس اعتبروا به أحوال الأجنة من شهور ولادها فحكموا على كل جنين ولد في شهر من شهور الولادة على أنه ينبغي أن يكون ديديا أي نطفة كذا وكذا ودمويا أي علقة كذا وكذا يوما ولحميا أي مضغة كذا وكذا يوما ثم أضعفوا ذلك العدد وجعلوه وقت تحرك الجنين وكذبوا في ذلك على الخلاق العليم في خلقه كما كذبوا عليه في صفاته وأسمائه فإن القوم لم يكن لهم نصيب من العلم الذي جاءت به الرسل بل كانوا كما قال اله تعالى { فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ } النساء 83
وما غاية مل يناله المنكر المعرض عما جاءت به الرسل وغاية ما نالوا به علما بأمور طبيعية فيها الحق والباطل وأمور رياضية كثيرة التعب قليلة الجدوى وأمور الهيئة باطلها أضعاف أضعاف حقها فأين العلم المتلقى من الوحي النازل إلى الظن المأخوذ عن الرأي الزائل وأين العلم المأخوذ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم عن جبريل عن الله عز وجل إلى الظن المأخوذ عن رأي رجل لم يستنر قلبه بنور الوحي طرفة عين وإنما معه حدسه وتخمينه ونسبه ما يدركه العقلاء قاطبة بعقولهم إلى ما جاءت به الرسل كنسبة سراج ضعيف إلى ضوء الشمس