ص -22- وأما"زنادقة الصابئة، وملاحدة الفلاسفة"، فلا يؤمنون بالله ولا ملائكته ولا كتبه ولا رسله ولا لقائه، ولا يؤمنون بمبدء ولا معاد، وليس للعالم عندهم رب فعّال بالاختيار لما يريد، قادر على كل شيء، عالم بكل شيء، آمر، ناه، مرسل الرسل، ومنزل الكتب، ومثيب المحسن، ومعاقب المسيء، وليس عند نظارهم إلا تسعة أفلاك وعشرة عقول وأربعة أركان، وسلسلة ترتبت فيها الموجودات، هي بسلسلة المجانين أشبه منها بمجوزات العقول.
وبالجملة: فدين الحنيفية الذي لا دين لله غيره بين هذه الأديان الباطلة التي لادين في الأرض غيرها أخفى من السهاب تحت السحاب، وقد"نظر الله إلى أهل الأرض فمقتهم عربهم وعجمهم إلا بقايا من أهل الكتاب".
فاطلع الله شمس الرسالة في حنادس تلك الظلم سراجًا منيرًا، وأنعم بها على أهل الأرض نعمة لا يستطيعون لها شكورًا، وأشرقت الأرض بنورها أكمل الأشراق، وفاض ذلك النور حتى عمَّ النواحي والآفاق، واتسق قمر الهدى أَتَمَّ الاتساق، وقام دين الله الحنيف على ساق.
فلله الحمد الذي أنقذنا بمحمد صلى الله عليه وسلم من تلك الظلمات، وفتح لنا به باب الهدي فلا يغلق إلى يوم الميقات، وأرانا في نوره أهل الضلال، وهم في ضلالهم يتخبطون، وفي سكرتهم يعمهون، وفي جهالتهم يتقلبون، وفي ريبهم يترددون، يؤمنون ولكن بالجبت والطاغوت، يؤمنون ولكن بربهم يعدلون، ويعلمون ولكن ظاهرًا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون، ويسجدون ولكن للصليب والوثن والشمس يسجدون، ويمكرون وما يمكرون إلا بأنفسهم وما يشعرون، {لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ} ،