ص -23- {كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ فاذكروني أذكركم وأشكروا لي ولا تكفرون} .
الحمد لله الذي أغنانا بشريعته التي تدعو إلى الحكمة والموعظة الحسنة، وتتضمن الأمر بالعدل والإحسان، والنهي عن الفحشاء والمنكر والبغي.
فله المنة والفضل على ما أنعم به علينا وآثرنا به على سائر الأمم، وإليه الرغبة أن يوزعنا شكر هذه النعمة، وأن يفتح لنا أبواب التوبة والمغفرة والرحمة.
فأحب الوسائل إلى المحسن: التوسل إليه بإحسانه، والاعتراف له بأن الأمر كله محض فضله وامتنانه، فله علينا النعمة السابغة، كما له علينا الحجة البالغة، نبوء له بنعمه علينا، ونبوء بذنوبنا وخطايانا وجهلنا وظلمنا وإسرافنا في أمرنا، فهذه بضاعتنا التي لدينا، لم تبق لنا نعمه وحقوقها وذنوبنا حسنة نرجو بها الفوز بالثواب، والتخلص من أليم العقاب، بل بعض ذلك يستنفد جميع حسناتنا، ويستوعب كل طاعة، هذا لو خلصت من الشوائب، وكانت خالصة لوجهه، واقعة على وفق أمره، وما هو والله إلا التعلق بأذيال عفوه، وحسن الظن به، واللجأ منه إليه، والاستعاذة به منه، والاستكانة والتذلل بين يديه، ومد يد الفاقة والمسكنة إليه؛ بالسؤال والافتقار إليه في جميع الأحوال.
فمن أصابته نفحة من نفحات رحمته، أو وقعت عليه نظرة من نظرات رأفته؛ انتعش من بين الأموات، وأناخت بفنائه وفود الخيرات، وترحلت عنه جيوش الهموم والغموم والحسرات.