فهرس الكتاب
الماضي الحي ..
كانت تزوره في الدار مع أختها وأخيها، ولم يكن هو وحيدًا، فقد كان يعيش مع شقيقتيه الفتاتين. وقد انعقدت أواصر الصداقة القوية بينها وبينهما. ولم يكن هناك حواجز تحول دون زيارتها.
ودخلت حجرة مكتبه، وأخذت تتفرس في مجموعة كتبه، وتقلب في بعض الصفحات، ثم اتجهت إليه وهي ترفع رأسها فتبدو فاتنة رائعة، وقالت في لهجة الطفل المتودد: اختر لي كتابا أقرؤه من كتبك.
كانت تعلم غرامه بالكتب، وحبه للقراءة، ورأيه في المرأة التي لا تقرأ. وكانت في الوقت ذاته مولعة بالمكايدة تُفتن فيها افتتانا، فكانت حريصة على أن تبدو في معظم الأحيان وهي تغيظه بارتكاب ما يكره واجتناب ما يحب. ولكنها كانت تنسى هذه المكايدة في بعض الأحيان فتبدو على طبيعتها، تريد أن تعجبه وتروقه، وتصوغ نفسها في الصورة التي يحب. وكان طلبها هذا الكتاب تقره توددا منها تقصده، ويفطن هو إلى مغزاه.
واتجه إلى القسم القصصي في مكتبته، فهو أولى الأقسام بأن يجتذب فتاة إلى القراءة، وكان قد أهدى إليها من قبل بعض القصص فادعت أنها لم تقرأها. ولكن لسانها كان يخونها فتشير في أحاديثها معه إلى ما ورد في هذه القصص. فيضحك مرة من هذا في سره، ويضحك مرة منه في جهره، فتحاول الإنكار بعد فوات الأوان!.
ولا يدري إلا الشيطان، لماذا وقعت يده على قصة (( الماضي الحي ) )المنقولة إلى العربية عن (( جي دي موباسان ) )... كل قصة إلا هذه القصة كان معقولا أن يوجه إليها نظره في ذلك الحين.
ولكن هذا هو الذي كان!
أتراها قوة شيطانية تلك التي دفعت بيده إلى هذا الكتاب؟ أتراها نفسه الباطنة التي ما زالت إلى اليوم ترتاب؟
أيا كان الباعث فقد اضطربت يده حينما وقع نظره على العنوان! .. ووقع نظرها عليه أيضًا!
قال في تردد:
= لا .. خذي غير هذا (وهم أن يعيده إلى موضعه في المكتبة)
قالت وقد أثار العنوان أولا وتردده ثانيا ما في نفسها من استطلاع: