يرى بعض الطلبة من نفسه قدرةً على أخذ العلم من الكتب دون الرجوع إلى العلماء في توضيح عباراتها ، وحل مشكلاتها وهذه الثقة بالنفس داء طالما رأينا صرعاه منبوذين ، وعن عداد أهل العلم مبعدين ، ما أكثر خطأهم ، وأبعد نجعتهم وأشنع تناقضهم .
قال الإمام الشافعي - رحمه الله تعالي -: ( من تفقه من بطون الكتب ضيع الأحكام )
وكان بعضهم يقول: ( من أعظم البلية تشيخ الصحيفة ) . أي الذين تعلموا من الصحف . ( [20] )
قال الفقيه سليمان بن موسي: ( كان يقال: لا تأخذوا القرآن من المصحفين ، ولا العلم من الصحفيين ) .
وقال الإمام سعيد بن عبد العزيز التنوخي - وكان يساوى بالأوزعى -: كان يقال: ( لا تحملوا العلم عن صحفي ، ولا تأخذوا القرآن من مصحفي ) ( [21] )
وقديمًا قيل: ( من كان شيخه كتابه ، كان خطؤه أكثر من صوابه )
ولقد أحسن أبو حسان النحوى حينما قال:
يظن الغُمر أن الكتب تجدي أخا فهمٍ لإدراك العلوم
وما يدري الجهول بأن فيها غوامض حيرت عقل الفهيم
إذا رمت العلوم بغير شيخ ضللت عن الصراط المستقيم
وتلتبس الامور عليك حتى تكون أضل من توما الحكيم
وقد شرح العلماء المعني الذي من أجله ألزم الطالب أخذ العلم من أفواه العلماء ، فمن ذلك قول ابن بطلان - رحمه اله -: ( يوجد في الكتاب أشياء تصد عن العلم وهى معدومة عند المعلم وهي: التصحيف العارض من اشتباه الحروف مع عدم اللفظ والغلط بروغان البصر ... وقلة الخبرة بالإعراب ، أو فساد الموجود منه ، وإصلاح الكتاب ، وكتابة ما لا يقرأ ، وكتابة ما لا يكتب ، ومذهب صاحب الكتاب ، وسقم النسخ ، ورداءة النقل ،وإدماج القارئ مواضع المقاطع ، وخلط مبادئ التعليم ، وذكر ألفاظٍ مصطلح عليها في تلك الصناعة ... فهذه كلها معوقة عن العلم ، وقد استراح المتعلم من تكلفها عند قرءته علي المعلم .