فهرس الكتاب
ثم أتبع الإمام مسلم هذا الحديث بحديث معاوية , وبه ختم الباب , إشارة منه رحمه الله إلى أنها من باب واحد , وفي معنى واحد , فكما لا يضر اليتيمة دعاؤه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عليها - بل هو لها زكاة وقربة - فكذلك دعاؤه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على معاوية.
وقد قال الإمام النووي في ( شرحه على مسلم ) :( وأما دعاؤه على معاوية , ففيه جوابان:
أحدهما: أنه جرى على اللسان بلا قصد .
والثاني: أنه عقوبة له لتأخره , وقد فهم مسلم رحمه الله من هذا الحديث أن معاوية لم يكن مستحقا للدعاء عليه , فلهذا أدخله في هذا الباب , وجعله غيره من مناقب معاوية لأنه في الحقيقة يصير دعاء له ).
وقد أشار الذهبي إلى هذا المعنى الثاني , فقال في ( سير أعلام النبلاء ) : ( قلت: لعل أن يقال هذه منقبة لمعاوية , لقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: اللهم من لعنته أو سببته , فأجعل ذلك له زكاة ورحمة ) .
واعلم أن قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في هذه الأحاديث: (إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ أَرْضَى كَمَا يَرْضَى الْبَشَرُ .... ) , إنما هو تفصيل لقوله تعالى: ( قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ ....) الآية 110 الكهف .
وقد يبادر بعض ذوي الأهواء أو العواطف الهوجاء إلى إنكار مثل هذا الحديث , بزعم تعظيم النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وتنزيهه عن النطق به , ولا مجال إلى مثل هذا الإنكار , فإن الحديث صحيح , بل هو عندنا متواتر , فقد رواه مسلم من حديث عائشة وأم سلمة كما ذكرنا , ومن حديث أبي هريرة وجابر رضي الله عنهما , وورد من حديث سلمان وأنس وسمرة وأبي الطفيل وأبي سعيد وغيرهم , انظر ( كنز العمال 2/ 124 ) .