فهرس الكتاب
وهذا هو الذي يدل عليه فهم الصحابيين المذكورين، وثبت مثله عن ابن عمر رضي الله عنه؛ كما بينته في كتابي (( أحكام الجنائز وبدعها ) ) (ص226) ، وهو الذي أختاره جماعة من العلماء: كالقاضي عياض، والإمام الجويني، والقاضي حسين؛ فقالوا:
(( يحرم شد الرحل لغير المساجد الثلاثة؛ كقبور الصالحين، والمواضع الفاضلة ) ). ذكره المناوي في (( الفيض ) ).
فليس هو رأي ابن تيمية وحده كما يظن بعض الجهلة، وإن كان له الفضل الدعوة إليه، والانتصار له بالسنة وأقوال السلف بما لا يعرف له مثيل، فجزاه الله عنا خير الجزاء.
فهل آن للغافلين أن يعودوا إلي رشدهم، ويتبعوا السلف في عبادتهم، وأن ينتهوا عن اتهام الأبرياء بما ليس فيهم؟
كتاب الطهارة
مسح الأذنين هل هو فرض أم سنة
36- (الْأُذُنَانِ مِنْ الرَّأْسِ) .
فهذا الحديث يدل على مسألتين من مسائل الفقه , اختلفت أنظار العلماء فيهما:
أما المسألة الأول , فهي أن مسح الأذنين هل هو فرض أم سنة ؟
ذهب إلى الأول الحنابلة , وحجتهم هذا الحديث , فإنه صريح في إلحاقهما بالرأس , وما ذلك إلا لبيان أن حكمهما في المسح كحكم الرأس فيه.
وذهب الجمهور إلى أن مسحهما سنة فقط , كما في (الفقه على المذاهب الأربعة) (1/65) , ولم نجد لهم حجة يجوز التمسك بها في مخالفة هذا الحديث إلا قول النووي في (المجموع) (1/415) : (إنه ضعيف من جميع طرقه) .
وإذا علمت أن الأمر ليس كذلك , وأن بعض طرقه صحيح , لم يطلع عليه النووي , وبعضها الآخر صحيح لغيره , استطعت أن تعرف ضعف هذه الحجة , ووجوب التمسك بما دل عليه الحديث من وجوب مسح الأذنين , وأنهما في ذلك كالرأس , وحسبك قدوة في هذا المذهب إمام السنة أبو عبدالله أحمد بن حنبل , وسلفه في ذلك جماعة من الصحابة , وقد عزاه النووي (1/ 413) إلى الأكثرين من السلف.