الصفحة 76 من 577

فليعلم أن قول الحنفية هذا قائم على اصطلاح لهم خاص حادث ' لا تعرفه الصحابة ولا السلف الصالح , وهو تفريقهم بين الفرض والواجب ثبوتًا وجزاء , كما هو مفصل في كتبهم.

وإن قولهم بهذا معناه التسليم بأن تارك الوتر معذب يوم القيامة عذابًا دون عذاب تارك الفرض , كما هو مذهبهم في اجتهادهم , وحينئذ يقال لهم: وكيف يصح ذلك مع قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لمن عزم على أن لا يصلي غير الصلوات الخمس: ( أفلح الرجل ) ؟ وكيف يلتقي الفلاح مع العذاب ؟ فلا شك أن قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هذا وحده كاف لبيان أن صلاة الوتر ليست بواجبة , ولهذا اتفق جماهير العلماء على سنيته وعدم وجوبه , وهو الحق.

نقول هذا مع التذكير والنصح بالاهتمام بالوتر , وعدم التهاون عنه , لهذا الحديث وغيره , والله أعلم.

السفر الذي يجيز القصر

163- (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا خَرَجَ مَسِيرَةَ ثَلَاثَةِ أَمْيَالٍ أَوْ ثَلَاثَةِ فَرَاسِخَ [شَكَّ شُعْبَةُ] , قصر الصلاة , [وفي رواية: صَلِّي رَكْعَتَيْنِ] ) .

الفرسخ: ثلاثة أميال , والميل من الأرض منتهى مد البصر , لأن البصر يميل عنه على وجه الأرض حتى يفنى إدراكه , وبذلك جزم الجوهري , وقيل: حده أن ينظر إلى الشخص في أرض مسطحة فلا يدري أهو رجل أو امرأة , وهو ذاهب أو آت , كما في الفتح , وهو في تقدير بعض علماء العصر الحاضر يساوي 1680م.

وهذا الحديث يدل على أن المسافر إذا سافر مسافة ثلاثة فراسخ (والفرسخ نحو ثمان كيلو مترات) , جاز له القصر , وقد قال الخطابي في معالم السنن: (إن ثبت الحديث كانت الثلاثة الفراسخ حدًا فيما يقصر إليه الصلاة , إلا أني لا أعرف أحدًا من الفقهاء يقول به) .

وفي هذا الكلام نظر من وجوه:

الأول: أن الحديث ثابت , وحسبك أن مسلمًا أخرجه ولم يضعفه غيره.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت