الصفحة 2 من 30

مقدمة [1]

الحمد لله، والصلاة والسلام على خير خلقه محمد، وآله وصحبه، وبعد:

فإنَّ القادر الحكيم - سبحانه - فطَر الخلق على فطرة الإسلام، وأنزَلَ عليهم شرعَه بدين الإسلام، فلا صَلاح للخلق إلا بدِين الإسلام الذي فطَر الله الخلقَ عليه، والذي أتمَّه وأكمَلَه ورَضِيَه لهم دينا.

فالله - سبحانه وتعالى - خلَق آدم من طين، وخلَق منه زوجه حوَّاء، وأمره أن يسكن زوجه معه؛ {يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ} [البقرة: 35] ، وجعَل ذلك الأمر عامًّا؛ {أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ} [الطلاق: 6] ، وكما جعَل الله الليل سكنًا؛ {فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا} [الأنعام: 96] ، وجعل البيوت سكنًا؛ {وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا} [النحل: 80] - فقد جعَل - سبحانه - الأزواج سكنًا؛ {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا} [الروم: 21] ، وكان ذلك منذ بدء خلق الإنسان؛ {هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا} [الأعراف: 189] .

فالأسرة سكن الزوج والزوجة، ومَنشَأ الولد ومَوطِن التربية، فإذا صلحت الأسرة صلحت الأمَّة، وإنَّ الأمَّة التي تُعنَى بالأسرة هي التي تُفلِح في القِيادة والرِّيادة؛ ولذلك كان الشرع الشريف حمايةً للأسرة وعنايةً من كلِّ جانب، فكان البيان لحدود كلٍّ من الزوجين حقوقًا وواجبات، وكان القرآن الكريم توضيحًا لموضع الامتِنان من الله - سبحانه - بالأسرة في بنائها؛ حتى لا يغفل الإنسان عن تلك النِّعمة واليَقِين بمنزلتها من العظَمَة بين سائر النعم.

ثم كانت الأمثلة في القرآن الكريم مضروبة للأسرة في كافَّة أحوالها وجميع أشكالها وفاقًا وخلافًا، ألفةً وشقاقًا، حتى نتعلَّم من تلك الأمثلة المضروبة.

فمثال الأب المهتدي يظلُّ يقول لابنه الشارد: {يَا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا} [هود:

(1) هذه المقدمة مستلَّة من افتتاحية كتَبَها الشيخ - رحمه الله - في"مجلة التوحيد"في عام 1417 هـ، وهي بحقٍّ مقدمة مهمَّة ودعامة عامَّة في بناء البيت المسلم، فبالإيمان يبرُّ الولد أمَّه وأباه، وزوجه وأخاه، فكما أنَّه لا يجتمع كفرٌ وإيمان كذلك لا يجتمع عقوقٌ مع إحسان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت