كل قصدهم أن يعينوا الناس على فهم أحكام الله . إلا أن الناس بعدهم قد فترت هممهم ، وضعفت عزائمهم وتحركت فيهم غريزة المحاكاة والتقليد ، فاكتفى كل جماعة منهم بمذهب معين ينظر فيه ، ويعول عليه ، ويتعصب له ، ويبذل كل ما أوتي من قوة في نصرته ، وينزل قول إمامه منزلة قول الشارع ، ولا يستجيز لنفسه أن يفتي في مسألة بما يخالف ما استنبطه إمامه ، وقد بلغ الغلو في الثقة بهؤلاء الأئمة حتى قال الكرخي: كل آية أو حديث يخالف ما عليه أصحابنا فهو مؤول أو منسوخ . وبالتقليد والتعصب للمذاهب فقدت الأمة الهداية بالكتابة والسنة ، وحدث القول بانسداد باب الاجتهاد ، وصارت الشريعة هي أقوال الفقهاء ، وأقوال الفقهاء هي الشريعة ، واعتبر كل ما يخرج عن أقوال الفقهاء مبتدعا لا يوثق بأقواله ، ولا يعتد بفتاويه . وكان مما ساعد على انتشار هذه الروح الرجعية ، ما قام به الحكام والأغنياء من إنشاء المدارس ، وقصر التدريس فيها على مذهب أو مذاهب معينة ، فكان ذلك من أسباب الإقبال على تلك المذاهب ، والانصراف عن الاجتهاد ، محافظة على الأرزاق التي رتبت لهم ! سأل أبو زرعة شيخه البلقيني قائلا: ما تقصير الشيخ تفي الدين السبكي عن الاجتهاد وقد استكمل آلته ؟ فسكت البلقيني ، فقال أبو زرعة: فما عندي أن الامتناع عن ذلك إلا للوظائف التي قدرت للفقهاء على المذاهب الأربعة وأن من خرج عن ذلك لم ينله شئ من ذلك ، وحرم ولاية القضاء ، وامتنع الناس عن إفتائه ، ونسبت إليه البدعة فابتسم البلقيني ووافقه على ذلك . وبالعكوف على التقليد ، وفقد الهداية بالكتاب والسنة ، والقول بانسداد باب الاجتهاد وقعت الأمة في شر وبلاء ودخلت في جحر الضب الذي حذرها رسول الله صلى الله عليه وسلم . كان من آثار ذلك أن اختلف الأمة شيعا وأحزابا ، حتى إنهم اختلفوا في حكم تزوج الحنفية بالشافعي ، فقال بعضهم: لا يصح ، لأنها تشك في إيمانها ، وقال آخرون ، يصح قياسا على الذمية ،