الصفحة 8 من 154

و لم يكن ابن عباس ذا ذاكرة قوية خارقة فقط، بل و ذا ذكاء نافذ و فطنة بالغة، كانت حجته إذا حاجج كما الشمس في رابعة النهار- بهجة و وضوحا و ألقا- و ما كان يحاور و يحاجج زهوا بعلمه و لا إظهارا لقوة منطقة و صلابة موقفه، بل كان يرى ذلك سبيلا لإظهار الحق و معرفة الصواب.

عرف له ذلك أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم اللّه وجهه، فوجهه إلى الخوارج فحاورهم حوارا رائعا، بيّن فيه الحق، و ساق الحجة بشكل يبهر الألباب، فما كاد ينتهي النقاش حتى نهض منهم عشرون ألفا راجعين عن خروجهم على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه، معلنين أحقّيّة الإمام علي فيما يسير إليه.

و ما نسوقه في هذا الكتاب من مسائل، مظهر آخر من مظاهرة قوة الرجل في علمه و حجته، و ما كان لابن عباس من الثروة العلمية بأقل مما له من ثروة الخلق و الكرم، و سخاؤه بالمال لم يكن بأقل من سخائه بالعلم.

يقول عنه أحد معاصريه: ما رأيت بيتا أكثر طعاما و لا شرابا و لا فاكهة و لا علما من بيت ابن عباس.

تخلّق ابن عباس بأخلاق الإسلام، و تمثّل آداب العلماء، فكان طاهر القلب، نقي النفس لا يحمل ضغنا لإنسان، يتمنى الخير لكل مخلوق. يقول عن نفسه: إني لآتي على الآية من كتاب اللّه فأود لو أن الناس جميعا علموا مثل الذي أعلم، و إني لأسمع بالحاكم من حكام المسلمين يقضي بالعدل و يحكم بالقسط. فأفرح به، و أدعو له، و مالي عنده قضية، و إني لأسمع بالغيث يصيب للمسلمين أرضا فأفرح به، و ما لي بتلك الأرض سائمة»

و لئن قال اللّه جلّ جلاله: إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ «9» ، فإن ابن عباس لمن أشد الناس خشية للّه، و أكثرهم تعبدا و تضرعا، بكّاء إذا صلى أو قرأ القرآن، فأبدا لم يكن من الذين يقولون ما لا يفعلون، و إنما صوّاما لنهاره، قوّاما ليله. حدّث عبد اللّه بن مليكة فقال: صحبت ابن عباس رضي اللّه عنه من مكة إلى

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت