فهرس الكتاب
وإذا كان من شأن المنتصر أن يستبد ويملي شروطه بدافع الغيظ والتشفي والانتقام والغرور بالقوة، فإن الرسول الكريم -- صلى الله عليه وسلم - - رغم ما فعلت قريش ضد الإسلام والمسلمين- لم يفعل شيئًا من ذلك، بل كان كل همه وكل قصده أن يؤلف قلوب المشركين، ويجعلها تقبل على الإسلام الذي هو دين السلام.
لقد استسلمت قريش التي يعرف عليه الصلاة والسلام فيها من تآمروا عليه ليقتلوه، ومن عذبوه وأصحابه من قبل، ومن قاتلوه في بدر وفي أحد، ومن حاصروه في الخندق، ومن ألّبوا عليه العرب جميعًا، ومن لو استطاعوا قتله وتمزيقه إربًا إربًا لما توانوا في ذلك لحظة.. لقد أصبحت قريش في قبضته عليه الصلاة والسلام وتحت قدميه، أمره نافذ في رقابهم، وحياتهم جميعًا معلقة بين شفتيه، وفي سلطانه، هذه الألوف المدججة بالسلاح تستطيع أن تبيد مكة وأهلها في لمح البصر.
لكن رسول الله -- صلى الله عليه وسلم - ليس بالرجل ولا بالقائد الذي يعرف العداوة أو يريدها أن تقوم بين الناس، وليس هو بالجبار ولا بالمتكبر أو بالذي يرفع شعار"ويل للمغلوب"لقد مكنه الله من عدوه، فماذا فعل؟ لقد نهض عليه الصلاة والسلام والمهاجرون والأنصار بين يديه وخلفه وحوله، حتى دخل المسجد الحرام، فطاف بالبيت العتيق وطهّره من الأصنام والصور، ثم وقف على باب الكعبة وقريش تنتظر ماذا يصنع وقال"يا معشر قريش، ما ترون أني فاعل بكم؟".. قالوا خيرًا، أخ كريم، وابن أخ كريم.. قال:"فإني أقول كما قال يوسف لإخوته، لا تثريب عليكم اليوم، اذهبوا فأنتم الطلقاء".
وكانت أعظم الآثار الإستراتيجية لسماحة الإسلام التي تجلت بأجلى معانيها أن قريشًا لم تقبل على الإسلام فحسب، بل حملت رايات الجهاد في سبيل الله، وتحولت اتجاهاتها من أشد الناس عداوة للإسلام، إلى أحرص الناس على رفع راية الجهاد في سبيله وتلك صورة رفيعة انفرد بها الإسلام.
18-لا شفاعة في حدود الله؟