فهرس الكتاب
وفي الغزوة يقول بن القيم في زاد المعاد (1) أن الكبيرة العظيمة مما دون الشرك قد تكفر بالحسنة الكبيرة الماحية كما وقع الجس من حاطب مكفرا بشهوده بدرا ، فإن ما اشتملت عليه هذه الحسنة العظيمة من المصلحة وتضمنته من محبة الله لها ورضاه بها ، وفرحه بها ، ومباهاته للملائكة بفاعلها ، أعظم مما اشتملت عليه سيئة الجس من المفسدة وتضمنته من بغض الله لها ، فغلب الأقوى على الأضعف فأزاله وأبطل مقتضاه وهذه حكمة الله في الصحة والمرض الناشئين من الحسنات والسيئات الموجبين لصحة القلب ومرضه وهي نظير حكمته تعالى في الصحة والمرض اللاحقين للبدن فإن الأقوى منهما يقهر المغلوب ويصير الحكم له حتى يذهب أثر الأضعف فهذه حكمته في خلقه وقضائه وتلك حكمته في شرعه وأمره . وهذا كما أنه ثابت في محو السيئات بالحسنات لقوله تعالى: إن الحسنات يذهبن السيئات ? [ هود: 14 ] ، وقوله تعالى: ? إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم ? [ النساء 31 ] ، وقوله - صلى الله عليه وسلم - وأتبع السيئة الحسنة تمحها فهو ثابت في عكسه لقوله تعالى: ? يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى ? [ البقرة 264 ] ، وقوله ? يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون ? [ الحجرات 2 ] . وقول عائشة ، عن زيد بن أرقم أنه لما باع بالعينة إنه قد أبطل جهاده مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلا أن يتوب وكقوله - صلى الله عليه وسلم - في الحديث الذي رواه البخاري في"صحيحه"من ترك صلاة العصر حبط عمله إلى غير ذلك من النصوص والآثار الدالة على تدافع الحسنات والسيئات وإبطال بعضها بعضا ، وذهاب أثر القوي منها بما دونه وعلى هذا مبنى الموازنة والإحباط . وبالجملة فقوة الإحسان ومرض العصيان متصاولان ومتحاربان ولهذا المرض
(1) انظر: زاد المعاد (3/343: 345، 459- 464) .