فهرس الكتاب

الصفحة 2 من 10

الأراضي والعقارات وارتفاع الإيجارات وفواتير الخدمات والنواحي الصحية وتكاليف التعليم والنقل ونحوها. وهكذا من الأمور التي تضرب القوة الشرائية للفرد.

والله سبحانه وتعالى قد أخبرنا أنه لا تصيبنا مصيبة إلا بما كسبت أيدينا، ولكن هذا يُدفع بالتوبة ويدفع كذلك بمعرفة الأسباب وعلاجها. فإذا وُجد الجشع والطمع من بعض التجار فلا بد من علاجه، وإذا ضعفت المراقبة فلا بد من تعزيزها. وإذا تقلّص دعم المواد الأساسية فلا بد من زيادته. وإذا كانت الخصخصة في بعض القطاعات هي السبب فلا بد من مراجعة وإعادة النظر فيها. وهذه العولمة التي أكلت الأخضر واليابس لها آثارٌ بشعة في غلاء الأسعار. وتدخل الشركات الغنية التي تقوم بشراء المنتجات المحلية باسم تحرير التجارة وإلغاء القيود؛ كلها في الحقيقة خسائر الاقتصاد المحلي لأن هؤلاء سيقومون بتحويل أرباحهم أولًا بأول إلى الخارج. وفي بعض البلدان العربية بيعت شركات الإسمنت وهي الصناعة الحاكمة في قطاعات البناء والإنشاءات إلى شركات أجنبية، وخلال 15 شهرًا فقط ارتفعت الأسعار 3 أضعاف. وكذلك تحولت صناعات أساسية في البلد كالنسيج، إلى صناعات خاسرة بعد أن كانت رابحة، وإلى استيراد بعد أن كانت تصديرًا، وطرد للعمالة الكثيفة المدربة الخبيرة، وإخراج نحو من 150 ألف فني وخبير في هذه الصناعة العريقة إلى سوق البطالة. ولما بيعت بعض مصانع الأدوية المحلية إلى شركات أجنبية هكذا أيضًا تضاعفت الأسعار واشترط المشترون الأجانب ألا يقوم المحليون الذين باعوهم ببناء مصانع أخرى. عجبًا لهذا! وهكذا تمضي العجلة في هذه العولمة التجارية التي تأكل الأخضر واليابس.

وقد كان غلاء الأسعار في تاريخ هذه الأمة حاصلًا في بعض مراحلها. فقد حكى صاحب النجوم الزاهرة في أواخر عهد بني العباس عظم الغلاء ببغداد في شعبان حتى أكلوا الجيف والروث، وماتوا على الطرق، وأكلت الكلاب، وبيع العقار بالرغفان، أرغفة الخبز، وهرب الناس إلى بلدان أخرى، فماتوا في الطريق. وضرب الغلاء أيضًا في القرن الخامس بعض بلدان المسلمين كمصر، وحصل بذلك هلاك كثير وأُكلت الدواب التي لا تؤكل. وكانت الأقوات في غاية القلة والغلاء، ومات كثير من الناس حتى مات في شهر صفر وحده 130000. وهكذا من المصائب التي تبتلى بها هذه الأمة، وهي أمة مرحومة، جعلت عافيتها في أولها، وسيصيب آخرها بلاء وفتنة كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم.

ونظرة إلى الواقع الإسلامي لحال التجار في حال السلف تبيّن لنا كيف ينبغي أن يكون موقف التاجر المسلم في مثل هذه الأحوال. إن محبّة الخير للمسلمين أمرٌ أساس. وقد كان الواحد يحذر أن يزداد ربحه على حساب معاناة الآخرين. والتاجر المسلم يتحلّى بحسن النية، والرفق بالمسلمين، وتوفير الجيد لهم بالثمن المناسب لهم، وأن يكون أمينًا. وقد خرج النبي صلى الله عليه وسلم إلى المصلى فرأى الناس يتبايعون فقال: يا معشر التجار. فاستجابوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ورفعوا أعناقهم، وأبصارهم إليه. فقال: إن التجار يبعثون يوم القيامة فجارًا، إلا من اتقى الله وبر وصدق. رواه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت