فهرس الكتاب

الصفحة 6 من 10

الخطبة الثانية:

الحمد لله الواسع الرزاق. الحمد لله وأشهد ألا إله إلا هو وحده لا شريك له. مقسّم الأرزاق، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، ونبيه وخليله، ومُصطفاه وأمينه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه. اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ونبيك محمد وعلى آله وأصحابه وخلفائه وأزواجه وذريته الطيبين إلى يوم الدين. اللهم وبارك على من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين يا رب العالمين.

عباد الله!

لقد كان في تاريخنا المشرق من أنواع إدارة الأزمات قبل أن يعرفه أهل الإدارة في العصر الحديث. ولما قامت الأزمة في عهد عمر رضي الله عنه في عام الرمادة، وحصل قحطٌ شديد وقل الطعام، ودام 9 أشهر. وسمي عام الرمادة لأن الريح كانت تسفي ترابًا كالرماد. وقيل: لأن الأرض كانت سوداء مثل الرماد. فما هي التدابير التي اتخذها عمر رضي الله عنه في هذه الأزمة؟ أولًا: حث الناس على كثرة الصلاة والدعاء واللجوء إلى الله. وكان يصلي بالناس العشاء ثم يخرج حتى يدخل بيته فلا يزال يصلي حتى يكون آخر الليل، ثم يخرج فيأتي الأنقاب -أطراف المدينة - فيطوف عليها ويقول في السحر: اللهم لا تجعل هلاك أمة محمد على يدي. ويقول: اللهم لا تهلكنا بالسنين -يعني القحط- وارفع عنا البلاء يردد هذه الكلمة. ثانيًا: كتب إلى عماله على الأمصار طالبًا الإغاثة، وفي رسالته إلى عمرو بن العاص والي مصر، بعث إليه: يا غوثاه! يا غوثاه! أنت ومن معك ومن قبلك فيما أنت فيه، ونحن فيما نحن فيه. فأرسل إليه عمرو بألف بعير تحمل الدقيق. وبعث في البحر بعشرين سفينة تحمل الدقيق والدهن. وبعث إليه بخمسة آلاف كساء. وهكذا أرسل إلى سعد بن أبي وقاص فأرسل له بثلاثة آلاف بعير تحمل الدقيق، وبعث إليه بثلاثة آلاف عباءة، وإلى والي الشام فأرسل إليه بألفي بعير تحمل الدقيق، ونحو ذلك مما حصل من مواساة المسلمين لبعضهم. لأن هذه الأمة واحدة. فإذا مسّ بعضها شدّة، تداعى الباقي لها. جسدٌ واحد. ثالثًا: أحس عمر بمعاناة الناس. قال أنس رضي الله عنه: كان بطن عمر يقرقر عام الرمادة وكان يأكل الزيت، ولا يأكل السمن. فقرقر بطنه فنقرها بأصبعيه، وقال: تقرقر، إنه ليس لك عندنا غيره حتى يُحيا الناس. أي: يأتي الله بالحيا والمطر الذي يغيث به الأرض. وقال أسلم: كنا نقول لو لم يرفع الله المحل عام الرمادة لظننّا أن عمر يموت همًا بأمر المسلمين. ثم يقوم رضي الله عنه بوعظ الناس وينادي: أيها الناس استغفروا ربكم ثم توبوا إليه وسلوه من فضله واستسقوا سقيا رحمة. وطلب الناس من العباس عم النبي عليه الصلاة والسلام الرجل الصالح، وأقرب الحاضرين إلى النبي عليه الصلاة والسلام أن يخرج ليستسقي لهم استشفاعًا بدعاء الرجل الصالح من آل البيت. وكان العباس حيًا فلم يطلبوا من ميت ولم يطلبوا شيئًا لا يقدر عليه الحي. وخرج العباس يدعو الله، فدعا ودعا، وبكى، فاستجاب الله ونزل الغيث.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت