لا بد أن يكون في مجتمعات المسلمين العمل على زيادة الإنتاج وتوفير السلع بأنسب الأثمان ودعم السلع للمواد الأساسية وانتشار المؤسسات الخيرية والقضاء على الربا الذي هو السبب الرئيس للتضخم المؤدي إلى غلاء الأسعار. ثم منع الاحتكار، فهذه عدة إجراءات لمن ولاه، لمن ولاه الله أمر المسلمين أن يقوم بها. فيجوز له أن يسعّر للناس إذا دعت الحاجة كما بين الفقهاء. والنبي صلى الله عليه وسلم لما قالوا له: سعّر لنا. غلا السعر في عهده عليه الصلاة والسلام. فقال: إن الله هو المسعّر القابض الباسط الرازق، وإني لأرجو أن ألقى ربي وليس أحد منكم يطلبني بمظلمة في دم ولا مال. حديث صحيح. هذا الترك للتسعير لأن المسألة لم تصل إلى حد الضرورة. والنبي صلى الله عليه وسلم كان يرجو انفكاك، كان يرجو التفريج وهذا ما حصل. وأما إذا وصلت القضية إلى تواطؤ من التجار، وتلاعب بالأسعار، وحبس للمواد حتى يرتفع سعرها، ويكثر الطلب، والعرض قليل عن مؤامرة، فلا بد من فك هذا الظلم كما قال العلماء. ويكون في هذه الحالة التسعير جائزًا. وإن طبيعة الاستغلال والجشع التي تدفع حتى إلى رفع أسعار الأدوية التي يحتاجها المرضى من غير اهتمام ولا نظر في حالهم. وهكذا الأصل أنه، والأصل أنه لا يحدد سعرٌ للبيع، والسعر يحدد السعر بنفسه.
ولكن إذا كان الغلاء ناتجًا عن مؤامرةٍ واتفاقٍ وحبسٍ فإن التدخل بالتسعير صحيحٌ تمامًا من الجهة الشرعية. وأما إذا ارتفعت الأسعار نتيجةً لقلة العرض وكثرة الطلب دون أن يكون للتجار دخل في ذلك فلا يجوز التسعير حينئذ. وكذلك إذا كانت السلعة ليست من ضرورات الناس فلا يجوز التسعير أيضًا. وإذا كان للسلعة بدائل يمكن اللجوء إليها بدون ضرر فلا يُتَحكَّم بالسعر ويفرض أيضًا. ولكن إذا صارت السلع مما يحتاجه الناس حاجةً ماسة وحصل الاتفاق والاستغلال من التجار فقال شيخ الإسلام رحمه الله: ما احتاج إلى بيعه وشرائه عموم الناس، فإنه يجب ألا يباع إلا بثمن المثل، إذا كانت الحاجة إلى بيعه وشرائه عامة. وإن ما احتاج الناس إليه حاجة عامة فالحق فيه لله تعالى. والاحتكار عباد الله ليس خاصًا بالأقوات. بل كل ما يحتاج إليه الناس ويقعون بسبب غلائه وفقده في حرج وضيق كالطعام واللباس والدواء والعقار للسكن ووسائل النقل الآن والمكيفات في البلاد الحارة والثلاجات، بل بعض البرامج في الأجهزة. والنبي عليه الصلاة والسلام قال: لا يحتكر إلا خاطئ. الخاطئ هنا العاصي الآثم. وهذا الحديث صريح في تحريم الاحتكار. الاحتكار فيما يحتاجه الناس كالأقوات محرم ولا يجوز. وإذا صار هناك من يحتكر الأقوات، وهناك من يحتكر العقار، وهناك من يحتكر الدواء، لا شك أن الناس يقعون في حرج عظيم. قال العلماء: فإذا صار التسعير لا بد منه جمع الإمام التجار واستشار أهل الرأي والبصيرة، وكان في المجلس من يمثل المستهلكين والمشترين ويحدّد السعر المناسب للجميع.
وليس للربح في الشريعة أصلًا حد معين، ولكن إذا كان للسلعة سعر معروف في السوق، فلا يجوز للبائع أن يخدع مشتريًا جاهلًا أو مغفلًا ونحو ذلك، فيرفع السعر ليظنها أصلية، أو لأنه لا يعرف سعر السوق أصلًا إذا