رفع عليه رفعًا فاحشًا فهذا خيار الغبن الذي يجوز بموجبه للمشتري رد السلعة رغمًا عن البائع وأخذ الثمن. ولو كانت السلعة سعرها في السوق بمائة فباعها بمائة وواحد أو اثنين أو ثلاثة أو خمسة مثلًا فهذه زيادةٌ يسيرة يتغابن فيها الناس عادةً. وأما إذا باعها بمائة وخمسين مثلًا فإن هذا غبن واضح. ولماذا نُهي عن تلقي الجلب وبيع الحاضر للبادي ونحو ذلك من الحالات. لأجل ألاّ يحدث مثل هذا الغبن أو الخداع.
عباد الله!
نحن ندخل في شهرٍ عظيم من الأشهر الحرم. {إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ} (التوبة: من الآية36) . أربعة حُرُم عند الله، ثلاثة متواليات: ذو القعدة وذو الحجة والمحرم. ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان. والتأريخ الهجري لم يكن في بداية الإسلام معمولًا به حتى كانت خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه في السنة الثالثة أو الرابعة من خلافته. صارت مناسبة أن أبا موسى رضي الله عنه من ولاة عمر وأمرائه كتب إلى عمر: أنه يأتينا منك كتب ليس لها تاريخ. فجمع عمر رضي الله عنه الصحابة فاستشارهم فقال بعض الناس: أرّخوا كما تؤرّخ الفرس بمن يملك أمرهم فكره الصحابة ذلك. فقال بعضهم: أرّخوا بتاريخ الروم. فكره الصحابة ذلك. ثم قال بعضهم: أرّخوا بمبعث النبي صلى الله عليه وسلم. وقال آخرون: أرخوا بهجرة النبي صلى الله عليه وسلم. فقال عمر رضي الله عنه: الهجرة فرقت بين الحق والباطل فأرّخوا بها. وفعلًا كانت الهجرة هي الفيصل وهي الفارق وهي النقلة العظيمة التي نقلت الإسلام من الحال الذي كان فيه محاصرًا بمكة إلى الحال الذي انتشر فيه في العالم. وشاور عمر رضي الله عنه الصحابة من أي شهر يكون ابتداء السنة. إذا حدّدنا الهجرة هي السنة الأولى. لكن من أي شهرٍ تبدأ السنة. فقال بعضهم: من رمضان الذي أنزل فيه القرآن. وقال بعض: من ربيع الأول الذي قدم فيه النبي صلى الله عليه وسلم المدينة مهاجرًا. واختار عمر وعثمان وعلي أن يكون من المحرم، لأنه شهر حرام يلي عودة الناس من الحج. فهذا الموسم الذي ينفض عنه الناس وسيرجعون لبدء أعمالهم. فرأى عمر رضي الله عنه أن تبدأ السنة فيه. فجعل أول التأريخ عام الهجرة وأول السنة محرم. وهكذا صار للمسلمين تاريخٌ يؤرخون به. ولذلك كره العلماء استعمال واعتماد التاريخ، التواريخ الأخرى التي تؤرخ بها أمم أهل الأرض من غير المسلمين. لأن لنا تاريخًا معتمدًا قد أجمع عليه الصحابة واستعملوه. فلا بد أن تستعمله الأمة. وبعض الناس اليوم من المسلمين لا يعرف التاريخ الهجري ولا الأشهر القمرية إلا في رمضان أو في ذي الحجة أحيانًا. وهذا من هجر المعالم الإسلامية لهذه الأمة. لأن هذه الأمة لها ميزات ومميزات. لها شعارات. لها أمور تحدد هويتها. ومن ذلك التأريخ الهجري الذي ينبغي نشره بين الناس واعتماده واستعماله والبدء به.
عباد الله!