فهرس الكتاب
بداية نشكركم على اهتمامكم بالموضوع الذي أثارته رسالتنا؛ وإن كنا لا نخفي استغرابنا الشديد للفهم الخاطىء لمرادها؛ حيث رأيتم الرسالة دعوة مبطنة إلى الإعراض عن الزواج، وحثا أو تأييدا للعنوسة أو العزوبية. بل لقد رأيتم أن جميع ما جاء في نقاطها العشر إنما هو تمهيد لمربط الفرس فيها- كما ذكرتم- ألا وهو موقف صاحبتها الرافض لمسألة التعدد.
وأقول: رويدكم، أخي الفاضل، فما كان هدفي من الرسالة ما ظننتم، وإذا كانت هذه الدعوة لا تصدر عن عاقل فكيف يمكن أن تصدر عن مسلم؟ أو بالأحرى عن مسلمة ملتزمة لها- ولله الحمد- إسهاماتها في الدعوة؟
لقد أجهدت نفسك في الدفاع عن قضية لا نختلف معك حولها، وهي قضية الزواج والإنجاب، وإن ظهر- طبعا- أننا نختلف معكم في أمور عدة هي:
1-إننا ننظر إلى بقاء الفتاة دون زواج، مهما كانت الأسباب (دون أن يكون من ضمنها رفض الفتاة للفكرة من أساسها والعياذ بالله) على أنه من قبيل قضاء الله وقدره لها، وهو ما يقتضي منها التسليم والقبول، أو أنه من قبيل الابتلاء الذي ينبغي الصبر عليه والرضا به. أما أنتم فلا ترون ذلك حاصلًا إلا بكسب من يد الفتاة أو ذويها. كما أنكم تعتقدون أن الابتلاء في هذه المسألة لا يكون إلا بالمنح دون المنع، أو بالعطاء دون الإمساك، وهذا فهم لعمري عجيب.
2-إننا ندعو من لم تتزوج أن لا تجعل من عدم زواجها مدعاة للحزن والاكتئاب، وأن تدرك إدراكا يقينيا أنه ليس بالزواج وحده يسعد الإنسان، وأن عليها أن تلتفت إلى ما حباها الله به من نعم كثيرة أخرى، وتسعى إلى شكره سبحانه عليها، وتحرص على أن تكون إنسانا فاعلا ومؤثرا سواء في محيط أسرتها أو مجتمعها، أما أنتم فتضيقون عليها الخناق، وتعززون شعورها بالحرمان، ولا تريدون أن تجعلوا لها من هم، ولا لذويها من شغل سوى أن يعثروا لها على زوج، أي زوج، المهم أن لا تبقى دونه.. وكفى!
3-إننا على قناعة تامة بأن هناك الكثيرات- وأنا منهن والحمد لله- ممن لم يكتب لهن الزواج، بتقدير من الله عز وجل، يعشن حياة هانئة مستقرة، ينعمن فيها بعلاقات رحمية حميمة، ويحظين بمكانة أسرية واجتماعية لها قدرها، وأنهن، بحالهن هذه، أفضل من أضعاف عددهن من المتزوجات المبتليات بأزواج سيئ الخلق، نكدي الطبع، أو بأبناء أشقياء عاقين... في حين لا تتصورون إمكانية وجود مثل هذا الصنف وتصفون من تقول بذلك بالمكابرة، وتتهمونها - سامحكم الله- بتزكية النفس!