فهرس الكتاب
-كيف تقولين ذلك يا حبيبتي؟
-لأني سعيدة بقربك، فلماذا تنشدين مغادرتي!
تبتسم في حنان:
-كل فتاة مصيرها إلى الزواج حتمًا.
-ولماذا حتمًا يا أمي الحبيبة، كل شيء قسمة ونصيب، إن جاء الزوج الذي أرضى به فأهلًا وسهلًا، وإن لم يأت فالخيرة فيما يختاره الله.
توافقني في هدوء:
-صدقت يا ابنتي. ولكن الزواج ستر للفتاة و... أقاطعها بلطف:
-وهل التي لا تتزوج لا تكون مستورة؟
-لست أقصد هذا، ولكن؟
-أقاطعها من جديد:
-يا أمي الحبيبة هناك أمور أخرى في الحياة تستحق أن نحيا من أجلها وأن أعيش عزباء سعيدة خير لي من أن أكون زوجة شقية. انظري لنورة ابنة عمي أكنت تحبين لو أنني تزوجت مثلها وأحيا هذه الحياة الشقية التي تحياها اليوم؟
هزت رأسها بذعر وهتفت:
-لا والله، تلك الشقية تعيش مع زوج فاسق... سكير عربيد، لا يعرف لها حقًا ولا يخاف الله فيها. واصلت حديثي بثقة:
-أم تريدين أن أكون مثل سارة ابنة خالتي تلك التي تمكث أسبوعًا في بيتها وباقي الشهر في بيت أهلها وأطفالها المساكين موزعين بينها وبين ذلك الزوج الفظ الذي لا يحترم مشاعر أبوته!
تنهدت أمي في أسى:
-لا والله.. لا أرضى لك بزوج مثل زوجها!
ابتسمت في مرارة:
-أم ترضين لي بزوج مثل زوج صاحبتي فوزية، ذلك الذي يرفع يده عليها لأقل خطأ يبدر منها.
أطرقت في وجوم:
-ولا هذا أيضًا.
ضحكت في انشراح:
-وإذًا، دعيني أحيا سعيدة قانعة ولا تقلقي نفسك بهذه الهواجس، وتذكري دومًا يا أمي أن الخيرة فيما يختاره الله.
يبدو أن أمي قد اقتنعت نوعًا ما بحديثي، أو أن طمأنينتي قد انعكست عليها وأثرت فيها فكفت عن هواجسها تلك، ومع مرور الأيام تلاشت دعواتها التي كانت تحمل في طياتها أمنية أم قد تأثرت إلى حد كبير بالأفكار التقليدية من حولها، ولست لائمة لأمي فقد كان قلقها طبيعيًا ويقينًا أن سعادتها كانت ستكتمل برؤيتي في منزل الزوجية المرتقب.
لا يدهشني موقف أمي بقدر ما يدهشني موقف غيرها من النسوة وأولهن تلك الزوجات الشقيات، منهن نورة ابنة عمي.. تلك المسكينة التي كان الجميع يرثي لحالها مع ذلك الزوج ولا يكاد يضمنا مجلس عائلي حتى كانت عجائز الأسرة يبادرن بالسؤال المعهود:
-ألا يزال زوجها العربيد في عربدته؟
فترد أمها قائلة بأسى:
-بل إنه يزداد سوءًا!
فتتساءل أخرى:
-ألا يزال يضربها؟
فتومئ الأم برأسها صامتة، فتتهكم الأولى:
-مسكينة!
-حقًا.. مسكينة!